سفينة النجاة و مشكاة الهدي و مصباح السعادات - كاشف الغطاء، الشيخ أحمد - الصفحة ١٢٦ - المصباح الأول في حقيقته و نيته
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الكتاب الخامس من كتب العبادات كتاب الصوم
[١]
و الكلام في حقيقته و نيته و اقسامه و من يصح صومه و ما يجب الامساك عنه و غير ذلك من احكامه فهنا مصابيح:
المصباح الأول في حقيقته و نيته
أما حقيقته فهي الامساك عن المفطرات نهاراً من الفجر الصادق إلى الليل و اما نيته فهي القصد إليه قربة إلى الله تعالى و هي شرط فيه على نحو شرطيتها في سائر العبادات و لا يعتبر العلم بالمفطرات على التفصيل فلو نوى الامساك عن جميع
[١] الصوم- أحد الدعائم التي بنى عليها الإسلام و نصت عليه آيات الذكر الحكيم. و هو يمتاز عن سائر العبادات بأنه عبادة سلبية عبارة عن تروك لأشياء مخصوصة و لا يشابهه في ذلك سوى الاعتكاف و الاحرام و قد شاع التعبير عن حقيقته بأنه الامساك عن المفطرات و فيه من التسامح مثل الذي مر في شرطية المسافة لصلاة القصر فان الشرط في الحقيقة هو العزم على قطع المسافة و لا المسافة و لا قطعها و كذلك حقيقة الصوم فانه العزم على الامساك لا نفس الامساك فقد يحصل الامساك و لا صوم و قد يحصل الصوم و لا امساك عن كثير منها كما سيتضح كل هذا فيما يلي و لا وجه لتكلف ان الصوم هو كف النفس عن المفطرات فيكون وجوديا انه يتحقق بالعدم المطلق مع النية و لا يلزم فيه الكف المتوقف على توجه النفس إلى الشيء و على كل فالاصح في التعبير عن حقيقته الشرعية أو ما اخذه الشارع موضوعا لحكمه- ان يقال إن الصوم شرعا هو العزم على عدم الإتيان بأمور مخصوصة عمداً أي يعزم على أن لا يفعلها عمدا فلا يقدح وقوعها سهوا و هو عبادة بدنية محضة كالصلاة كما ان الزكاة و الخمس مالية محضة و حيث ان الصوم حقيقة هو العزم على تروك مخصوصة و هو من الأمور الخفية و المعاني النفسية التي لا يمكن الاطلاع عليها غالبا و لا يتطرق إليها الرياء مباشرة امتاز بخصوصية عن العبادات الوجودية كالصلاة و نحوها و لعل من هذه الناحية اختصه الله جل شأنه لنفسه كما ورد في الحديث القدسي المشهور( كل عمل بني آدم له إلا الصوم فانه لي و انا اجزي به) على قراء تيه مجهولا أو معلوما و الأول اولى و أعلى و للعلماء في هذا الحديث بحث طويل و وجوه جميلة و قد كتب فلاسفة الإسلام و علماء الفقه و التشريع قديما و حديثا في اسرار الصوم و فوائده الدينية و البدنية من الناحيتين الصحية و الاخلاقية و الروحية و الجسمية ما لو جمع لكان اكبر موسوع و اوسع موضوع و حسبك من فوائده ما فيه من تنقية البدن من الفضلات المتخلفة في الامعاء و العروق التي لا تقذفها الطبيعة للزوجها و لا تتحلل إلا بتوجه الحرارة الغريزية مباشرة إليها و بالصوم تتوقد تلك الحرارة و تتجه تلك الفضلات و اعظم من ذلك وقعا و ابر نفعا تربية الإرادة و قوة العزيمة و ضبط النفس و صفاء الروح من العلائق الحيوانية و الشهوات البهيمية و العروج بها إلى عوالم القدس و الطهارة