سفينة النجاة و مشكاة الهدي و مصباح السعادات - كاشف الغطاء، الشيخ أحمد - الصفحة ١٠٤ - (الأول) الفقراء (الثاني) المساكين
المصباح الثالث فيمن تصرف إليه
و هم ثمانية أصناف
(الأول) الفقراء (الثاني) المساكين
[١] و يجمعها عدم ملك قوت السنة و لعيالهما لا فعلا و لا قوة فمن ملك ذلك فعلا أو كان قادرا على تحصيله بما
[١] من الشائع و المعروف ان الفقير و المسكين كالظرف و الجار و المجرور إذا اجتمعا افترقا و إذا افترقا اجتمعا يعني إذا استعمل أحدهما وحده أريد به المعنى الشامل للآخر و هو مطلق الحاجة و عدم الكفاية و إذا اردف أحدهما بالآخر أريد بكل منهما معنى خاص يغاير الآخر اندرجا في المعنى العام فيراد بالمسكين المحتاج الذي اشتدت حاجته فاوقعته في ذل السؤال و الفقير هو المحتاج الذي يقدر على التماسك و التعفف عن الطلب و إظهار الحاجة و هو الذي اشارت إليه الآية الشريفة يحسبهم الجاهل اغنياء من التعفف أي الجاهل بحالهم ففي معنى كل واحد من اللفظين خصوصية تغاير خصوصية الآخر عند استعمالهما معا كما في آية الزكاة إنما الصدقات لفقراء و المساكين و العاملين عليها لا ان أحدهما و هو الفقر اعم من الآخر كما قيل فيكون من عطف الخاص على العام فانه في الغالب قليل الجدوى عديم الفائدة و إذا استعمل أحدهما منفردا الغيت تلك الخصوصية و أريد به المعنى العام الشامل للآخر كما في آية الكفارة اطعام عشرة مساكين فان المراد به مطلق المحتاج سائلا كان أو متعففا كما انه هو المراد بالفقير إذا انفرد.
و بالجملة فالفقير هو مطلق المحتاج و لكن الحاجة في المال و عدم وجدان الكفاف للتعيش المشار إليها بقولهم كاد الفقر ان يكون كفراً لا الحاجة التي هي من لوازم الممكن المشار إليها بقوله تعالى يا أيها الناس انتم الفقراء و الله هو الغني و الفقر سواد الوجه في الدارين و العرف اعرف بمصاديق هذا الكلي المتفاوتة في الشدة و الضعف و الظهور و الخفاء فان اخفاه فهو الفقير بالمعنى الخاص و ان اظهره مع السؤال فهو المسكين بالمعنى الخاص المقابل للفقير بذلك المعنى ثمّ ان الشارع ليس له في الفقير حقيقة شرعية و إنما جعل موضوع حكمه في الزكاة نوعا خاصا من مطلق الفقير و هو من لا يملك قوة سنة له و لعياله واجبي النفقة لا فعلا و لا قوة سائلا كان كالمسكين أو غير سائل كالمتعفف و هنا قسم ثالث يشك في اندراجه في الفقر أو الغني و هم أولاد الملوك و حواشيهم و أولاد الاغنياء و اتباعهم الذين يتنعمون بثروة آبائهم و إن كانوا لا يملكون لأنفسهم شيئا و لا ريب انهم ليسوا فقراء عرفا بل من اظهر مصاديق الاغنياء إنما الكلام في المعنى الشرعي فانه ينطبق عليهم حيث لا يملكون مقدار قوتهم لا فعلا و لا قوة و لكن لا ينبغي الريب في ان إطلاق الفقير الشرعي و بعلم و لو بقرينة الحال و مناسبة الحكم و الموضوع ان مثل هؤلاء ليسوا محلا للزكاة إلا إذا انفصلوا عن آبائهم و منابع استغنائهم، أما مثل الكسالى و البطالين و المتسولين فانهم و إن كانوا لا يملكون قوت سنتهم فعلا و لكنهم يملكونه بالقوة إذا كانوا صحيحي الأبدان و يمكنهم التكسب و لا يضر بشأنهم و قد يكون إعطاء مثل هؤلاء و لو من الصدقات المستحبة غير جائز لأنه إعانة على الإثم و اغراء بالجهل و ترويج للباطل فان سؤالهم حرام و معاونتهم اشد في الحرمة و حرمانهم قطع لدابر الفساد و تكثير للايدي العاملة( بقي هنا أمر مهم) و هو التحديد و الضابطة للمئونة التي هي شرعا المعيار للغنى و الفقر وجودا و عدماً فان القدر المتيقن منها و المتبادر من اطلاقها عرفا هو الطعام و الشراب و اللباس و لكن هل يدخل بقية ما يحتاج من دار و كتب و مركوب و خادم و فرش و امثال ذلك بل و زواج و ختان أولاد و نحو ذلك و الظاهر ان إطلاق المؤنة و النفقة و امثالها و إن كان شموله لمثل تلك الأمور غير مقطوع به و لكن يتحصل من مجموع الأدلة هنا و في باب الدين و الحج و الحجر و غيرها ان كل ما يحتاج إليه الإنسان و هو مناصب لشأنه فهل هو داخل في نفقته و محسوب من مئونته كطالب العلم الذي يحتاج إلى كتب للدرس و المطالعة و لا يتمكن من شرائها و إن كان مالكا لمئونة سنته من سائر الجهات يجوز له أن يأخذ من الزكاة ما يكفي لسد حاجته من الكتب بنسبة حاله و لا يجوز له التوسع بشراء الكتب المبسوطة التي لا تتناسب مع منزلته في الدرس و هكذا سائر الأشخاص في سائر الشئون و المرجع في جميع ذلك إلى العرف و العادة و التقاليد فرب شخص لا يقدح بشأنه السكنى بدار الاستيجار فلا يجوز له شراء دار من مال الزكاة و رب شريف لا يناسبه ذلك و هو لا يتمكن فيجوز له الأخذ من الصدقات لحفظه شئونه و لكن للنفس و للشيطان مخادع و مكايد و هذا ميدان واسع في الغرور و الخيلاء و التلبس فليحذر الذين آمنوا من تلك المكائد و المصائد اعاذنا الله و عافانا من كل هاتيك الخدع و المخاتل بمنه و كرمه و اغنانا عن مزاحمة المساكين و البائسين فيما فرضه لسد رمقهم و هو حسبنا و نعم الوكيل