الفقه و مسائل طبية - ط بوستان کتاب - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٤٠ - البحث الثالث في حقيقة الإنسان
الواحد مثلا- لا في نفسه، و المفروض في محلّ كلامنا أنّ الإدراكات و الشعورات الكثيرة في نفسها هي شعور واحد عند نفسها، فلازم قولهم: «إنّ هذه الإدراكات في نفسها كثيرة» لا ترجع إلى وحدة أصلا، و هي بعينها شعور واحد نفساني واقعا، و ليس هناك أمر آخر له هذه الإدراكات الكثيرة فيدركها على نعت الوحدة، كما تدرك الحاسّة أو الخيال المحسوسات أو المخيلات الكثيرة المجتمعة على وصف الوحدة الاجتماعية، فإنّ المفروض أنّ مجموع الإدراكات الكثيرة في نفسها نفس الإدراك النفساني الواحد في نفسه.
و لو قيل: «إنّ المدرك- هاهنا- الجزء الدماغي يدرك الإدراكات الكثيرة على نعت الوحدة» كان الإشكال بحاله فإن المفروض أنّ إدراك الجزء الدماغي نفس هذه الإدراكات الكثيرة المتعاقبة بعينها، لا أن للجزء الدماغي قوة إدراك تتعلّق بهذه الإدراكات كتعلّق القوى الحسّية بمعلوماتها الخارجية و انتزاعها منها صورا حسية، فافهم ذلك.
و الكلام في كيفية حصول الثبات و البساطة في هذا المشهود- الذي هو متغير متجزّئ في نفسه- كالكلام في حصول وحدته، مع أنّ هذا الفرض أيضا- أعني أن تكون الإدراكات الكثيرة المتوالية المتعاقبة تستشعر بشعور دماغي على نعت الوحدة- نفسه فرض غير صحيح، فما شأن الدماغ و القوة التي فيه و الشعور الذي لها و المعلوم الذي عندها؟! و هي جميعا أمور مادية، و من شأن المادة و المادي الكثرة و التغير و قبول الانقسام، و ليس في هذه الصورة العلمية شيء من هذه الأوصاف و النعوت، و ليس غير المادة و المادي هناك شيء.
و قولهم: «إنّ الأمر يشتبه على الحسّ أو القوة المدركة، فيدرك الكثير المتجزئ المتغيّر واحدا بسيطا ثابتا» غلط واضح؛ فإن الغلط و الاشتباه من الأمور النسبية التي تحصل بالمقايسة و النسبة لا من الأمور النفسية.
مثال ذلك أنّا نشاهد الأجرام العظيمة السماوية صغيرة كالنقاط البيض و نغلط في مشاهدتنا هذه، على ما تبينه البراهين العلمية و كثير من مشاهدات حواسنا، إلّا أنّ هذه الأغلاط إنما تحصل و توجد إذا قايسنا ما عند الحسّ مما في الخارج من واقع هذه المشهودات، و أمّا ما عند الحسّ في نفسه فهو أمر واقعي كنقطة بيضاء، لا معنى لكونه غلطا البتة.
و الأمر فيما نحن فيه من هذا القبيل؛ فإنّ حواسّنا و قوانا المدركة إذا وجدت الأمور الكثيرة المتغيّرة المتجزئة على صفة الوحدة و الثبات و البساطة كانت القوى المدركة غالطة في إدراكها مشتبهة في معلومها بالقياس الى المعلوم الذي في الخارج، و أمّا هذه الصورة العلمية الموجودة