الفقه و مسائل طبية - ط بوستان کتاب - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٢٧ - المسألة الثامنة عشرة في دفع الموت في الجملة
و بالجملة: بطلان هذا التخيّل على ضوء العقل و الدين غير خفيّ، و قد ثبت في محلّه أنّ الكائنات تفتقر إليه تعالى في وجودها و صفاتها و أفعالها حدوثا و بقاء.
على أنّ تأثير الأسباب في المسبّبات و وصول الإنسان الساعي إلى الأسباب أيضا من سنّة اللّه و مشيئته، و قال سبحانه: وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ[١]، و قال سبحانه:
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ[٢].
و هل علم الإنسان و قدرته إلّا قطرة مفاضة من علمه و قدرته اللذين لا يتناهيان.
و لبّ الكلام أنّ البحث في إرادته التشريعية التي هي بمعنى طلبه تعالى شيئا أو تركا من المكلّف من طريق إرادته و اختياره فقد يمتثله المكلف و قد يعصيه، لا في إرادته التكوينية التي يستحيل تخلّف المراد عنها بناء على وحدة واجب الوجود و استحالة الشرك. و هذا فليكن ببال القرّاء في جميع مطالب هذا الكتاب و غيره.
و إن أراد القائل المذكور أنّ دفع الموت حرام على المكلّفين، فهذا شيء ممكن عقلا، لكنّه باطل؛ لعدم دليل في الكتاب و السنّة يدلّ على حرمته، بل لا شكّ في جواز المواظبة على أساس التوصيات الطبّية على صحة البدن و طول العمر، و لزوم العلاج على المريض بكل الوسائل الممكنة كما سبق.
و إن أراد أنّ اللّه سبحانه و تعالى أخبر بأنّ كلّ إنسان يموت، و هذا يكشف عن عدم إمكان دفع الموت، فكلّ محاولة له تصبح فاشلة لا محالة فتحرم لكونها عبثا و إسرافا للمال، فممنوع أيضا؛ لأن الطبّ لا يدّعي- و لا يصحّ له أن يدّعي- دفع الموت عن الإنسان بنحو مطلق و أنّه لا يموت أصلا؛ ضرورة أنّ للموت أسبابا غير صحة البدن و نشاط الخلايا كالغرق و الحرق و القتل و افتراس مفترس و غير ذلك، و اللّه سبحانه قادر على إماتة الإنسان بكلّ هذه الأسباب.
و الطبّ إنّما يدّعي دفع الموت عن طريق واحد و سبب فارد، فلا تناقض بين الأخبار عن موت كلّ أحد و قدرة الطبّ على دفع الموت عن بعض الأفراد، و هي من قدرة اللّه و تقديره.
و في الدين ما يؤيد إمكان الطبّ على دفع الموت و تطويل العمر بحفظ الخلايا و دفع الأمراض من بقاء عيسى بن مريم عليه السّلام على أظهر الأقوال، بل و ببقاء الخضر عليه السّلام كما اشتهر، و ببقاء
[١] . البقرة آية ٢٥٥.
[٢] . الرحمن آية ٣٣.