نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٧٧ - ٣٣ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ خُرُوجِهِ لِقِتَالِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ٤
إنّ اللّه بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و ليس أحد من العرب يقرأ كتابا، و لا يدّعى نبوّة، فساق النّاس حتّى بوّأهم محلّتهم، و بلّغهم منجاتهم [١] فاستقامت قناتهم [٢]، و اطمأنّت صفاتهم. أما و اللّه إن كنت لفى ساقتها [٣] حتّى ولت بحذافيرها: ما ضعفت و لا جبنت و إنّ مسيرى هذا لمثلها [٤] فلأنقبنّ الباطل حتّى يخرج الحقّ من جنبه [٥] مالى و لقريش! و اللّه لقد قاتلتهم كافرين
[١] بوأهم محلتهم، أى: أنزلهم منزلتهم، فالناس قبل الاسلام كأنهم كانوا غرباء مشردين و الاسلام هو منزلهم الذى يسكنون فيه و يأمنون من المخاوف، فالنبى صلّى اللّه عليه و سلم ساق الناس حتى أوصلهم إلى منزلهم من الاسلام الذين كانوا قد ضلوا عنه و بلغهم بذلك مكان نجاتهم من المهالك
[٢] القناة: العود، و الرمح، و الكلام تمثيل لاستقامة أحوالهم، و الصفاة: الحجر الصلد الضخم، و أراد به مواطئ أقدامهم. و الكلام تصوير لاستقرارهم على راحة كاملة و خلاصهم مما كان يرجف قلوبهم و يزلزل أقدامهم
[٣] «إن كنت الخ». إن هذه هى المخففة من الثقيلة، و اسمها ضمير الشأن محذوف، و الأصل «إنه كنت الخ» و المعنى قد كنت، و الساقة: مؤخر الجيش السائق لمقدمه، و «ولت بحذافيرها»: بجملتها و أسرها، و يقال: «أخذه بحذفاره» بكسر الحاء و سكون الذال - و «أخذه بحذفوره» - بضم فسكون - و «أخذه بحذافيره» و الضمائر فى «ساقتها» و «ولت بحذافيرها» عائدة إلى الحادثة المفهومة من الحديث و هى ما أنعم اللّه به من بعثة النبى صلّى اللّه عليه و سلم ليخرجهم من الظلمات إلى النور، و من الذلة للعزة. و قال الشارح ابن أبى الحديد: الضمائر للجاهلية المفهومة من الكلام، و كونه فى ساقتها أنه طارد لها. و يضعفه أن ساقة الجيش منه لا من مقاتليه، فلو كان فى ساقة الجاهلية لكان من جيشها، نعوذ باللّه، و يمكن تصحيح كلام الشارح يجعل الساقة جمع سائق، أى: كنت فى الذين يسوقونها طردا حتى ولت
[٤] أى: أنه يسير إلى الجهاد فى سبيل الحق
[٥] الباطل يبادو الاوهام