نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٧٥ - ٣٢ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
بين شريد نادّ [١]، و خائف مقموع، و ساكت مكعوم، و داع مخلص، و ثكلان موجع. قد أخملتهم التّقيّة [٢] و شملتهم الذّلّة، فهم فى بحر أجاج، أفواههم ضامزة [٣]، و قلوبهم قرحة، و قد وعظوا حتّى ملّوا [٤]، و قهروا حتّى ذلّوا، و قتلوا حتّى قلّوا. فلتكن الدّنيا فى أعينكم أصغر من حثالة القرظ و قراضة الجلم [٥] و اتّعظوا بمن كان قبلكم، قبل أن يتّعظ بكم من بعدكم، و ارفضوها ذميمة، فإنّها رفضت من كان أشغف بها منكم [٦]
أبصارهم عن مطامع الدنيا خوفا من الآخرة و تذكرا لمعادهم فهؤلاء لا يعرفون عند العامة، و إنما يتعرف أحوالهم أمثالهم، فكأنهم فى نظر الناس ليسوا بناس.
[١] الناد: الهارب من الجماعة إلى الوحدة، و المقموع: المقهور. و المكعوم: من «كعم البعير» شد فاه لئلا يأكل أو يعض، و ما يشد به كعام ككتاب. و الثكلان: الحزين
[٢] أخمله: أسقط ذكره حتى لم يعد له بين الناس نباهة. و التقية: اتقاء الظلم باخفاء الحال، و الأجاج: الملح: أى: أنهم فى الناس كمن وقع فى البحر الملح لا يجد ما يطفىء ظمأه أو ينقع غلته
[٣] ضامزة: ساكنة، من «ضمز يضمز» بالزاى المعجمة - كنصر و ضرب - سكت يسكت. و القرحة - بفتح فكسر - المجروحة
[٤] أى: أنهم أكثروا من وعظ الناس حتى ملهم الناس و سئموا من كلامهم
[٥] الحثالة - بالضم -: القشارة و ما لا خير فيه، و أصله ما يسقط من قشر الشعير و الأرز و التمر و كل ذى قشر إذا نقى. و القرظ - محركة - ورق السلم أو ثمر السنط يدبغ به، و الجلم - بالتحريك - مقراض يجز به الصوف، و قراضته: ما يسقط منه عند القرض و الجز. و إنما طالبهم باحتقار الدنيا بعد التقسيم المتقدم لما ثبت من أن الدنيا لم تصف إلا للأشرار. أما المتقون الذين ذكرهم فانهم لم يصيبوا منها إلا العناء، و كل ما كان من شأنه أن يأوى إلى الأشرار و يجافى الأخيار فهو أجدر بالاحتقار
[٦] أى: من كان أشد تعلقا بها منكم