نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٧٤ - ٣٢ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
المتجر أن ترى الدّنيا لنفسك ثمنا، و ممّا لك عند اللّه عوضا، و منهم من يطلب الدّنيا بعمل الآخرة، و لا يطلب الآخرة بعمل الدّنيا: قد طامن من شخصه، و قارب من خطوه، و شمّر من ثوبه، و زخرف من نفسه للأمانة، و اتّخذ ستر اللّه ذريعة إلى المعصية [١]، و منهم من أبعده عن طلب الملك ضؤولة نفسه [٢]، و انقطاع سببه، فقصرته الحال على حاله، فتحلّى باسم القناعة، و تزيّن بلباس أهل الزّهادة، و ليس من ذلك فى مراح و لا مغدى. و بقى رجال غضّ أبصارهم ذكر المرجع [٣]، و أراق دموعهم خوف المحشر، فهم
الامارة و ما هى من حقه، و يجهر بذلك فهو مصلت لسيفه - أى: سال له - على أعناق الذين لا يسمعون لسلطان الباطل، و المعلن: المظهر، و المجلب بخيله: من «أجلب القوم» أى: جلبوا و تجمعوا من كل أوب للحرب، و الرجل: جمع راجل، كالركب جمع راكب و الصحب جمع صاحب، و هو قليل، و «أشرط نفسه» أى: هيأها و أعدها للشر و الفساد فى الأرض، أو للعقوبة و سوء العاقبة و «أوبق دينه» أهلكه. و الحطام: المال، و أصله ما تكسر من اليبس. ينتهزه: يغتنمه أو يختلسه، و المقنب: طائفة من الخيل ما بين الثلاثين إلى الأربعين، و إنما يطلب قود المقنب تعززا على الناس و كبرا، و فرع المنبر - بالفاء - أى علاه و فى علو المنبر و الخطبة على الناس من الرفعة ما يبعث على الطلب فهذا القسم قد أضاع دينه و أفسد الناس فى طلب هذه الشهوات المذكورة.
[١] الذريعة: الوسيلة، و هذا قسم ثالث
[٢] الضؤولة - بالضم -: الضعف، و هذا هو القسم الرابع، و ليس من الزهادة فى ذهاب و لا إياب، أى: لا فعل و لا ترك
[٣] هذا قسم خامس للناس مطلقا، و الأقسام الأربعة للناس المعروفين الواقعين تحت نظر العامة. فقوله فيما سبق: «فالناس أربعة أصناف» إنما يريد به الذين يعرفهم النظر الجلى ناسا، أما الرجال الذين غضوا