نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٤٨ - ١٧ - وَمِنْ كَلَامٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي صِفَةِ مَنْ يَتَصَدَّى لِلْحُكْمِ بَيْنَ الْأُمَّةِ وَلَيْسَ لِذَلِكَ بِأَهْلٍ
فى أغباش الفتنة، عم بما فى عقد الهدنة [١] قد سمّاه أشباه النّاس عالما و ليس به، بكّر فاستكثر من جمع ما قلّ منه خير ممّا كثر [٢] حتّى إذا ارتوى من آجن، و اكتنز من غير طائل [٣]، جلس بين النّاس قاضيا ضامنا لتخليص ما التبس على غيره [٤]، فإن نزلت به إحدى المبهمات هيّأ لها حشوا رثّا من رأيه، ثمّ
و أوضعه راكبه فهو موضع به، أى: مسرع به. و قوله «عاد فى أغباش الفتنة» الاغباش: الظلمات، واحدها غبش بالتحريك، و أغباش الليل بقايا ظلمته. و عاد: بمعنى مسرع فى مشيته، أى: أنه ينتهز افتتان الناس بجهلهم و عماهم فى فتنتهم فيعدو إلى غايته من التصدر فيهم و السيادة عليهم بما جمع مما يظنه الجهلة علما و ليس به، و يروى «غار فى أغباش الفتنة»: من «غره يغره» إذا غشه و هو ظاهر
[١] عم: وصف من العمى، أى: جاهل بما أودعه اللّه فى السكون و الاطمئنان من المصالح، و قد يراد بالهدنة إمهال اللّه له فى العقوبة و إملاؤه فى أخذه، و لو عقل ما هيأ اللّه له من العقاب لأخذ من العلم بحقائقه، و أوغل فى النظر لفهم دقائقه، و نصح للّه و لرسوله و للمؤمنين.
[٢] بكر: بادر إلى الجمع كالجاد فى عمله يبكر إليه من أول النهار، فاستكثر: أى: احتاز كثيرا «من جمع» بالتنوين، أى: مجموع قليله خير من كثيره، إن جعلت ما موصولة، فان جعلتها مصدرية كان المعنى: قلته خير من كثرته. و يروى جمع بغير تنوين و لا بد من حذف على تلك الرواية، أى: من جمع شىء قلته خير من كثرته
[٣] الماء الآجن: الفاسد المتغير الطعم و اللون، شبه به تلك المجهولات التى ظنها معلومات، و هى تشبه العلم فى أنها صور قائمة بالذهن فكأنها من نوعه، كما أن الآجن من نوع الماء، لكن الماء الصافى ينقع الغلة و يطفىء من الأوار. و الآجن يجلب العلة و يفضى بشاربه إلى البوار. و اكتنز: أى عد ما جمعه كنزا، و هو غير طائل، أى دون، خسيس.
[٤] التخليص: التبيين، و التبس على غيره: اشتبه عليه