نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢٢١ - ١١١ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
و مدّة تنقطع انقطاع السّير؟! اجعلوا ما افترض اللّه عليكم من طلبكم [١] و اسألوه من أداء حقّه ما سألكم، و أسمعوا دعوة الموت آذانكم قبل أن يدعى بكم. إنّ الزّاهدين فى الدّنيا تبكى قلوبهم و إن ضحكوا، و يشتدّ حزنهم و إن فرحوا، و يكنر مقتهم أنفسهم و إن اغتبطوا بما رزقوا [٢] قد غاب عن قلوبكم ذكر الآجال، و حضرتكم كواذب الآمال، فصارت الدّنيا أملك بكم من الآخرة، و العاجلة أذهب بكم من الآجلة و إنّما أنتم إخوان على دين اللّه: ما فرّق بينكم إلاّ خبث السّرائر، و سوء الضّمائر: فلا توازرون، و لا تناصحون، و لا تبادلون، و لا توادّون!! ما بالكم تفرحون باليسير من الدّنيا تملكونه، و لا يحزنكم الكثير من الآخرة تحرمونه، و يقلّقكم اليسير من الدّنيا يفوتكم حتّى يتبيّن ذلك فى وجوهكم و قلّة صبركم عمّا زوى منها عنكم [٣]؟؟!! كأنّها دار مقامكم، و كأنّ متاعها باق عليكم!! و ما يمنع أحدكم أن يستقبل أخاه بما يخاف من عيبه إلاّ مخافة أن يستقبله بمثله، قد تصافيتم على رفض الآجل، و حبّ العاجل، و صار دين أحدكم لعقة على لسانه [٤]
[١] مطلوبكم، أى: اجعلوا الفرائض من مطالبكم التى تسعون إليها، و اسألوا اللّه أن يمنحكم ما سألكم من أداء حقه، أى: أى يمن عليكم بالتوفيق لأداء حقه
[٢] اغتبطوا: غبطهم غيرهم بما آتاهم اللّه من الرزق.
[٣] قلة صبركم: عطف على وجوهكم. و زوى: من «زواه» إذا نحاه
[٤] عبر باللعقة عن الاقرار باللسان مع ركون القلب إلى مخالفته