نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢٢٣ - ١١٢ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
حتّى أسهرت لياليهم، و أظمأت هواجرهم [١] فأخذوا الرّاحة بالنّصب [٢] و الرّىّ بالظّمأ، و استقربوا الأجل، فبادروا العمل، و كذّبوا الأمل، فلاحظوا الأجل. ثمّ إنّ الدّنيا دار فناء و عناء، و غير و عبر: فمن الفناء أنّ الدّهر موتّر قوسه [٣] لا تخطىء سهامه، و لا تؤسى جراحه [٤] يرمى الحىّ بالموت و الصّحيح بالسّقم، و النّاجى بالعطب، آكل لا يشبع، و شارب لا ينقع [٥] و من العناء أنّ المرء يجمع ما لا يأكل، و يبنى ما لا يسكن، ثمّ يخرج إلى اللّه لا مالا حمل، و لا بناء نقل، و من غيرها [٦] أنّك ترى المرحوم مغبوطا، و المغبوط مرحوما، ليس ذلك إلاّ نعيما زلّ [٧] و بؤسا نزل، و من عبرها أنّ المرء يشرف على أمله، فيقطعه حضور أجله، فلا أمل يدرك، و لا مؤمّل يترك! فسبحان اللّه!! ما أغرّ سرورها، و أظمأ ريّها، و أضحى فيئها [٨]، لا جاء يردّ [٩] و لا ماض
[١] أظمأتها بالصيام
[٢] التعب
[٣] فمن أسباب الفناء كون الدهر قد أوتر قوسه ليرمى بها أبناءه
[٤] تؤسى: تداوى، من «أسوت الجرح» إذا داويته
[٥] لا ينقع - كينفع -: لا يشتفى من العطش بالشرب
[٦] غيرها - بكسر ففتح - تقلبها، و المرحوم: الذى ترق له و ترحمه لسوء حاله يصبح مغبوطا على ما تجدد له من نعمة
[٧] من «زل فلان زليلا و زلولا» اذا مر سريعا، و المراد انتقل. أو هو الفعل اللازم من «أزل إليه نعمة» أسداها
[٨] أضحى كضحا، - كدعا - برز للشمس، و الفىء: الظل بعد الزوال، أو مطلقا
[٩] الجائى: يريد به الموت.