نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢٠٨ - ١٠٦ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهِيَ مِنْ خُطَبِ الْمَلَاحِمِ
عرك الأديم [١] و تدوسكم دوس الحصيد [٢] و تستخلص المؤمن من بينكم استخلاص الحبّة البطينة [٣] من بين هزيل الحبّ، أين تذهب بكم المذاهب و تتيه بكم الغياهب، و تخدعكم الكواذب؟؟ و من أين تؤتون و أنّى تؤفكون؟ فلكلّ أجل كتاب، و لكلّ غيبة إياب، فاستمعوه من ربّانيّكم [٤] و أحضروه قلوبكم، و استيقظوا إن هتف بكم [٥] و ليصدق رائد أهله [٦] و ليجمع شمله، و ليحضر ذهنه، فلقد فلق لكم الأمر فلق الخرزة، و قرفه قرف الصّمغة [٧] فعند ذلك أخذ الباطل مآخذه، و ركب الجهل مراكبه، و عظمت الطّاغية، و قلّت الدّاعية، و صال الدّهر صيال السّبع العقور، و هدر فنيق الباطل بعد كظوم [٨]، و تواخى النّاس على الفجور، و تهاجروا على الدّين، و تحابّوا على الكذب، و تباغضوا على الصّدق فإذا كان ذلك كان الولد غيظا [٩]
[١] العرك - كالنصر - شديد الدلك، و عركه: حكه حتى عفاه، و الأديم: الجلد
[٢] المحصود
[٣] البطينة: السمينة
[٤] الربانى - بتشديد الباء - المتأله، العارف باللّه عز و جل
[٥] صاح بكم
[٦] الرائد: من يتقدم القوم ليكشف لهم مواضع الكلأ، و يتعرف سهولة الوصول إليها من صعوبته و فى المثل: «لا يكذب الرائد أهله» يأمر الهداة و الدعاة الذين يتلقون عنه، و يوصيهم بالصدق فى النصيحة
[٧] «قرف الصمغة» قشرها، و خص هذا بالذكر لأن الصمغة إذا قشرت لا يبقى لها أثر، كذا قالوا
[٨] الفنيق: الفحل من الابل و «بعد كظوم» أى: إمساك و سكون
[٩] يغيظ والده لشبوبه على العقوق و يكون المطر قيظا لعدم فائدته، فان الناس منصرفون عن فوائدهم و الانتفاع بما يفيض اللّه عليهم من خير إلى إضرار بعضهم ببعض، و ما أشبه هذه الحال بحال هذا الزمان