نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٩٧ - ١٠١ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
١٠١ - و من خطبة له عليه السّلام
أنظروا إلى الدّنيا نظر الزّاهدين فيها، الصّادفين عنها [١]، فإنّها و اللّه عمّا قليل تزيل الثّاوى السّاكن [٢] و تفجع المترف الآمن [٣] لا يرجع ما تولّى منها فأدبر، و لا يدرى ما هو آت منها فينتظر، سرورها مشوب بالحزن، و جلد الرّجال فيها إلى الضّعف و الوهن، فلا يغرّنّكم كثرة ما يعجبكم فيها، لقلّة ما يصحبكم منها.
رحم اللّه امرأ تفكّر فاعتبر، و اعتبر فأبصر، فكأنّ ما هو كائن من الدّنيا عن قليل لم يكن [٤] و كأنّ ما هو كائن من الآخرة عمّا قليل لم يزل، و كلّ معدود منقض، و كلّ متوقّع آت، و كلّ آت قريب دان.
و منها: العالم من عرف قدره، و كفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره، و إنّ من أبغض الرّجال لعبدا و كله اللّه إلى نفسه! جائرا عن قصد السّبيل، سائرا بغير دليل، إن دعى إلى حرث الدّنيا عمل، و إن دعى إلى حرث الآخرة
[١] الصادفين: المعرضين
[٢] الثاوى: المقيم
[٣] المترف - بفتح الراء -: المتروك يصنع ما يشاء لا يمنع
[٤] فان الذى هو موجود فى الدنيا بعد قليل كأنه لم يكن، و إن الذى هو كائن فى الآخرة بعد قليل كأنه كائن لم يزل، فكأنه - و هو فى الدنيا - من سكان الآخرة