نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٥٠ - ٨٥ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
الحزن، و تجلبب الخوف، [١] فزهر مصباح الهدى فى قلبه، و أعدّ القرى ليومه النّازل به، [٢] فقرّب على نفسه البعيد، و هوّن الشّديد [٣]: نظر فأبصر، و ذكر فاستكثر، [٤] و ارتوى من عذب فرات سهلت له موارده فشرب نهلا، [٥] و سلك سبيلا جددا، [٦] قد خلع سرابيل الشّهوات، و تخلّى من الهموم إلاّ همّا واحدا انفرد به [٧] فخرج من صفة العمى، و مشاركة أهل الهوى، و صار من مفاتيح أبواب الهدى، و مغاليق أبواب الرّدى، قد أبصر
[١] استشعر: لبس الشعار، و هو ما يلى البدن من اللباس، و تجلبب: لبس الجلباب، و هو ما يكون فوق جميع الثياب، و الحزن: العجز عن الوفاء بالواجب، أو قلبى لا يظهر له أثر فى العمل الظاهر. أما الخوف فيظهر أثره فى البعد عما يغضب اللّه، و المبادرة للعمل فيما يرضيه، و ذلك أثر ظاهر، و زهر مصباح الهدى: تلألأ و أضاء
[٢] القرى - بالكسر -: ما يهيأ للضيف، و هو هنا العمل الصالح يهيئه للقاء الموت و حلول الأجل
[٣] جعل الموت على بعده قريبا منه فعمل له و لذلك هان عليه الصبر عن اللذائذ الفانية، و الأخذ بالجد فى إحراز الفضائل السامية، و ذلك هو الشديد
[٤] ذكر اللّه فاستكثر من العمل فى رضاه، و العذب و الفرات: مترادفان
[٥] النهل: أول الشرب، و المراد أخذ حظا لا يحتاج معه إلى العمل، و هو الشرب الثانى، و قال ابن أبى الحديد: «يجوز أن يكون أراد بقوله نهلا المصدر من نهل ينهل نهلا - مثل طرب يطرب طربا - أى، شرب حتى روى، و يجوز أن يريد بالنهل الشرب الأول خاصة، و يريد أنه اكتفى بما شربه أولا فلم يحتج إلى العلل» اه ببعض إيضاح.
[٦] الجدد - بالتحريك -: الأرض الغليظة، أى: الصلبة المستوية، و مثلها يسهل السير فيه.
[٧] الهم الواحد: هو هم الوقوف عند حدود الشريعة.