نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٥١ - ٨٥ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
طريقه، و سلك سبيله، و عرف مناره، و قطع غماره [١]، استمسك من العرى بأوثقها، و من الحبال بأمتنها، فهو من اليقين على مثل ضوء الشّمس: قد نصب نفسه للّه - سبحانه - فى أرفع الأمور من إصدار كلّ وارد عليه، و تصيير كلّ فرع إلى أصله [٢] مصباح ظلمات، كشّاف عشاوات، مفتاح مبهمات، دفّاع معضلات [٣]، دليل فلوات [٤]، يقول فيفهم، و يسكت فيسلم: قد أخلص اللّه فاستخلصه فهو من معادن دينه، و أوتاد أرضه، قد ألزم نفسه العدل، فكان أوّل عدله نفى الهوى عن نفسه، يصف الحقّ و يعمل به، لا يدع للخير غاية إلاّ أمّها [٥]، و لا مظنّة إلاّ قصدها [٦]، قد أمكن الكتاب من زمامه [٧]
[١] جمع غمر - بالفتح - و هو معظم البحر، و المراد أنه عبر بحار المهالك إلى سواحل النجاة
[٢] لأن من كان همه التزام حدود اللّه فى أوامره و نواهيه نفذت بصيرته إلى حقائق سر اللّه فى ذلك، فصار من درجات العرفان بحيث لا يرد عليه أمر إلاّ أصدره على وجهه، و لا يعرض له فرع إلا رده إلى أصله
[٣] عشاوات: جمع عشاوة، و هى سوء البصر أو العمى، أى: إنه يكشف عن ذوى العشاوات عشاواتهم. و يروى «عشوات»: جمع عشوة - بتثليث الأول - و هى الأمر الملتبس، و المعضلات: الشدائد و الأمور لا يهتدى لوجهها
[٤] الفلوات: جمع فلاة، و هى الصحراء الواسعة، مجاز عن مجالات العقول فى الوصول إلى الحقائق
[٥] أمها: قصدها
[٦] «مظنة» أى: موضع ظن لوجود الفائدة
[٧] الكتاب: القرآن، و أمكنه من زمامه: تمثيل لانقياده لأحكامه، كأنه مطية و الكتاب يقوده إلى حيث شاء