فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٦٢ - مشروعية استناد القاضي إلى علمه آية اللّه الشيخ محمّد المؤمن
فعمومات القضاء على هذا تقتضي جواز بل وجوب استناد القاضي إلى علمه وإنشاء الحكم طبقا لما ثبت عنده من موضوعه بعلمه ، وقد مرّ أنّ تمام الموضوع في الآيات هو الحكم بما أنزل اللّه ، فيجب الحكم به ، ومن لم يحكم به فهو من الفاسقين ، وإطلاقه يقتضي استواء الأمر في حقوق اللّه وحقوق الناس ، ومقتضى هذه الإطلاقات اعتبار علم القاضي فيهما جميعا .
فإن قلت: إنّ الاستدلال بهذه الإطلاقات مبني على أن تكون في مقام البيان بالنسبة لما تثبت به المعصية التي هي موضوع الجزاء المذكور فيها ؛ كالسرقة والزنا وقتل النفس وقطع الاُذن وأمثالها ، ولم يعلم لها إطلاق ، فلا دليل فيها على حجّية علم القاضي لثبوتها ، وحينئذٍ فيحتمل أن يعتبر في القضاء والحكم بترتب المجازاة المذكورة فيها أن يثبت الموضوع بمثل البينة بالتفصيل المذكور ذيل كلّ منها ، ومن المعلوم أنّ الأصل العملي في باب القضاء هو عدم النفوذ إلاّ فيما قام الدليل على نفوذه .
قلت: إنّ الأحكام المذكورة في هذه الأدلّة قد رتّبت على نفس الواقع ؛ فالسارق أو الزاني الواقعي محكوم بحسب الآيات الشريفة بقطع اليد أو الجلد ، والجاني الواقعي الذي قتل نفسا أو قطع عضوا محكوم بالقتل أو قطع ذاك العضو قصاصا ؛ والعلم القطعي لا شأن له عند العقلاء إلاّ إراءة الواقع بأعلى المراتب المتصورة في إراءته ، وهو طريق محض إليه ، وفرضه فرض ثبوت الواقع وتحققه الجزمي ، وبعد ذلك فعلم القاضي بالموضوع عبارة اُخرى عن ثبوت موضوع الحكم واقعا وانكشافه لدى القاضي ، ومعه فلا ينبغي الريب ولا الشبهة في أنّ حكم القصاص وسائر أنواع المجازاة الشرعية بل سائر الأحكام مفروض الثبوت ، والقاضي مأمور بأن يحكم بها ، وإلاّ كان ممن لم يحكم بما أنزل اللّه وكان من الفاسقين الظالمين .
فالحاصل : أنّ اللّه تعالى قد أوجب على المسلمين قطع يد السارق وجلد