تحقيق الأصول - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٢٠٧ - المقدمة الثالثة
الصّوم لا بدّ من تحقّقه قبل طلوع الفجر، لأنه لو لم يكن الخطاب متقدّماً على الإمساك في أول الفجر آناً ما، فإمّا أن يكون المكلّف حين توجّه الخطاب إليه أوّل الفجر متلبّساً بالإمساك أو غير متلبّس به، و على كلا التقديرين يستحيل توجّهه إليه، لأن طلب الإمساك ممّن هو متحقّق منه طلب للحاصل، كما أنّ طلبه من المتلبس بعدمه طلب للجمع بين النقيضين، و كلاهما محال. فلا بدّ من تقدّم الخطاب- و لو بآنٍ ما- على زمان الامتثال و الانبعاث، ليكون الانبعاث عن ذلك الخطاب المقدّم عليه و امتثالًا له ... فتكون النتيجة في بحثنا: إن وجوب المهم لا بدّ من حصوله قبل امتثال الأمر بالمهم، لكن امتثال الأمر بالمهم في مرتبةٍ واحدة مع عصيان الأمر الأهمّ، فوجود الأمر بالمهم لا بدّ و أنّ يكون في رتبة قبل عصيان الأهم.
و توضيح أساس هذا الإشكال هو:
إن البعث لا بدّ و أن يكون مقدّماً على الانبعاث، و الأمر لا بدّ من تقدّمه على الامتثال، و الدليل على ذلك أمران: أحدهما: إن منشأ الامتثال و موجب الانبعاث هو تصوّر ما يترتّب على مخالفته ثم التصديق بما تصوّره، فهنالك يحصل الامتثال، و لو لا تقدّم الأمر على الامتثال كيف تتحقّق هذه القضايا؟ إذن: لا بدّ من تقدّم الأمر على الامتثال زماناً ... و قد اعتمد على هذا البيان المحقق الخراساني.
و الثاني: لو كان الأمر مقارناً في الزمان للامتثال و لم يكن قبله، فالمكلّف إمّا تارك و إمّا فاعل، فإن كان فاعلًا- كما في مثال الإمساك- كان الأمر طلباً للحاصل، و إن كان تاركاً، كان طلباً للفعل في آن الترك، و هو طلب النقيض مع وجود النقيض له، فهو طلب اجتماع النقيضين.
فتلخّص: ضرورة تقدّم الأمر زماناً على الانبعاث.