الرسائل التوحيدية - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٨٥ - فصل ٦فى الدلائل النقلية من الكتاب و السنة
عن ربوبيته سبحانه و شهادتهم شهادة ذاتية و أبصارا وجوديا و إشهادهم على أنفسهم إشهادا و كشفا ذاتيا عن حقيقة أنفسهم و هي ليست إلاّ باطلة الذات في نفسها و قائمة الذات بالحق و لهذا أردف سبحانه قوله: وَ أَشْهَدَهُمْ عَلىََ أَنْفُسِهِمْ بقوله: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ فوضع سبحانه كلمة الرب و هو المالك المدبر و لم يقل: قال أ لست بربكم لأن الكلامين أعني قوله: وَ أَشْهَدَهُمْ عَلىََ أَنْفُسِهِمْ و قوله: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ بمعنى واحد بالمعنى الذي ذكر فعاد معنى الآيات و الله العالم إلى أن هناك موطنا غير موطن الدنيا فرق فيها بين أشخاص الإنسان و كثرهم بعد جمعهم و وحدتهم و عرفهم و أراهم نفسه بتعريفهم و إراءتهم أنفسهم فشهدوا و اعترفوا بربوبيته و لو لا ذلك لشملتهم الغفلة في هذه الدنيا و لم يوحّدوه في هذه الدنيا فافهم.
لأن من أسلم و وحد في ذلك الموطن لا سبيل له إلى الشرك و من أشرك هناك لم يجد بدّا إلاّ أن يشرك في هذه الدنيا كما يشير إليه سبحانه بقوله تعالى: [١] فَمََا كََانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمََا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ الآية، و ما بعد هذه الآيات وَ إِذْ أَخَذَ... إلخ إلى ستة آيات في سياق ما مرّ من المعنى و سادستها قوله تعالى: وَ لَقَدْ ذَرَأْنََا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاََ يَفْقَهُونَ بِهََا وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لاََ يُبْصِرُونَ بِهََا وَ لَهُمْ آذََانٌ لاََ يَسْمَعُونَ بِهََا أُولََئِكَ كَالْأَنْعََامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولََئِكَ هُمُ اَلْغََافِلُونَ الآية.
[١] و ذلك انّ هذا التركيب لا يفيد مجرد النفي بل يفيد معنى الانتظار و الترقب في قولنا: نصحت لفلان ينتهي عن الملاهي و ما كان ليقبل نصيحتي و قد اعتاد بها فما تمحله صاحب الكشاف من أن المعنى: فما كانوا ليؤمنوا بعد مجيء الرسل بما كذبوا به من قبل على أنّه يوجب تجوزا آخر في قوله: كذبوا في غير محلّه منه.