الرسائل التوحيدية - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٢٨١ - فصل ١٢ في الشفاعة
و من هنا يتبين أن الشفاعة نوع تصرف في الأعمال بتبديلها و لذلك خصّه سبحانه بنفسه في قوله: ثُمَّ اِسْتَوىََ عَلَى اَلْعَرْشِ مََا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لاََ شَفِيعٍ .
و هذا يؤيد ما ذكرناه من مقام الشافع أن الشفاعة لا تتم إلاّ بكمال القرب منه سبحانه و يظهر ذلك أيضا من قوله: وَ لاََ تَنْفَعُ اَلشَّفََاعَةُ عِنْدَهُ إِلاََّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتََّى إِذََا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قََالُوا مََا ذََا قََالَ رَبُّكُمْ قََالُوا اَلْحَقَّ وَ هُوَ اَلْعَلِيُّ اَلْكَبِيرُ و التفزيع عن القلب كشف الفزع و هو الدهشة و الصعقة التي توجب غيبوبته عن نفسه و قوله سبحانه: ثُمَّ اِسْتَوىََ عَلَى اَلْعَرْشِ يُدَبِّرُ اَلْأَمْرَ مََا مِنْ شَفِيعٍ إِلاََّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ إذا ضمّ إلى الآية الأولى و السياقان واحد أفادت أن تمليكه تعالى الشفاعة لغيره يتحقق بعد الإذن أي بعد الإذن يتحقق كون فعل الشافع في شفاعته و قوله فعل الله سبحانه و أصرح منه قوله مَنْ ذَا اَلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاََّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مََا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مََا خَلْفَهُمْ فالإذن هو الموجب لهذا الذي نسميه كمال القرب و هو الجاعل فعل الشافع فعله سبحانه و قد مرّ تفسير الإذن بالرضا و قد قال سبحانه أيضا: يَوْمَ لاََ يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَ لاََ هُمْ يُنْصَرُونَ `إِلاََّ مَنْ رَحِمَ اَللََّهُ فبيّن به أن الذي نسميه شفاعة قائم بالرحمة فهو رحمته سبحانه كما يستشم أيضا من قوله سبحانه وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهََا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ .
ثم إنّه سبحانه قال لرسوله: وَ مََا أَرْسَلْنََاكَ إِلاََّ رَحْمَةً لِلْعََالَمِينَ و هو كلام مطلق يعطي أن له (صلّى اللّه عليه و آله) من الله سبحانه مقاما غير مقام الشفاعة أرفع منها و هو مقام الإذن الذي يحصل بعده و بسببه الشفاعة فهو (صلّى اللّه عليه و آله) شفيع الشفعاء كما مرّ أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) شهيد الشهداء. ـ