الرسائل التوحيدية - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٥٤ - تتمة
فإذا سمعوه استخفّ بهم الطرب فمن بين من يرقص و من بين من يفرقع أصابعه و من بين من يشق ثيابه. فقال له: و أي الأشياء أقرّ لعينك؟قال: النساء هن فخوخي و مصائدي فإنّي إذا اجتمعت على دعوات الصالحين و لعناتهم صرت إلى النساء فطابت نفسي بهن.
فقال له يحيى (عليه السّلام) : فما هذه البيضة على رأسك؟قال:
بها أتوقى دعوة المؤمنين. قال (عليه السّلام) : فما هذه الحديدة التي أرى فيها؟قال: بهذه أقلب قلوب الصالحين. قال يحيى (عليه السّلام) : فهل ظفرت بي ساعة قط؟قال: لا و لكن فيك خصلة تعجبني. قال يحيى (عليه السّلام) : فما هي؟قال: أنت رجل أكول فإذا افطرت أكلت و بشمت فيمنعك ذلك من بعض صلاتك و قيامك بالليل. قال يحيى (عليه السّلام) : فإنّي أعطي الله عهدا إنّي لا أشبع من الطعام حتّى ألقاه. فقال له إبليس: و أنا أعطي الله عهدا إنّي لا أنصح مسلما حتّى ألقاه. ثم خرج فما عاد إليه بعد ذلك. الحديث، و هو مروي عن طرق العامة أبسط من ذلك و الروايات في أقسام إغواءاته و تزييناته عند أنواع المعاصي و الذنوب بتصويرات عجيبة فوق حد الإحصاء و كل ذلك يشهد أنّها تمثلات مثالية منه لعنه الله غير مادية.
و بما تقرر يندفع ما ذكره بعضهم أنّا إذا عملنا سيئة فلا نجد في أنفسنا إلاّ تصورا للفعل و تصديقا و جزما و إرادة و تحريكا للأعضاء بالعضلات و لم نجد أثر المؤثر آخر يسمى شيطانا فليس إلاّ القوى المادية لميلها إلى الشهوة و الغضب و الخواطر المنبعثة فالشيطان كناية عنها و الوسوسة كناية عن الخواطر من حيث وقوعها في طريق الشر و هذا الكلام يطرد في جانب الملك و الهامة كما لا يخفى.
و وجه الاندفاع ظاهر إذ الشيطان و الملك في طول الإنسان