الرسائل التوحيدية - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٢٨٢ - فصل ١٢ في الشفاعة
و اعلم أن مساق هذه الآية في تفضيله (صلّى اللّه عليه و آله) على العالمين غير مساق قوله: وَ لَقَدْ آتَيْنََا بَنِي إِسْرََائِيلَ اَلْكِتََابَ وَ اَلْحُكْمَ وَ اَلنُّبُوَّةَ وَ رَزَقْنََاهُمْ مِنَ اَلطَّيِّبََاتِ وَ فَضَّلْنََاهُمْ عَلَى اَلْعََالَمِينَ الآية، فإن الظاهر منها أن تفضيلهم إنّما هو بجمع الآيات الباهرات لهم و هو كذلك و ليس تفضيلا في قرب التقوى من الله تعالى و يدل على ذلك النقمات و السخطات و نزول الرجز بهم و ليس تفضيل أمّة على العالمين كتفضيل الواحد على العالمين و خاصة بالرحمة التي هي الواسطة التامة بين الله سبحانه و بين الموجودات و هي شيء في البين و ليس بشيء في البين فهو سبحانه يخلق كل شيء بذاته و يرزق كل شيء بذاته و يبدأ و يدبر و يعيد كل شيء بذاته و يفعل ذلك كلّه برحمته.
و في هذا المعنى خطابه تعالى له (صلّى اللّه عليه و آله) بقوله:
عَسىََ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقََاماً مَحْمُوداً و لفظ (يبعث) كأنّه تضمن معنى الإقامة و هو كلام مطلق لم يعتره في كلامه سبحانه تقييد فهو مقام محمود بكل حمد من كل حامد فهو مقام فيه كل جمال و كمال لاقتضاء الحمد ذلك فكل جمال و كمال مترشح من هناك و قد قال سبحانه: اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ فخصّ كل حمد من كل حامد بنفسه فالمقام المحمود مقام متوسط بينه سبحانه و بين الحمد فهو كالرحمة شيء و ليس بشيء و هو المسماة بالولاية الكبرى و قال سبحانه:
وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضىََ و هذا أيضا كلام مطلق و من المعلوم أن العطية المطلقة منه سبحانه هي الرحمة المطلقة فيرجع مضمون الآية إلى الآيتين و هما: وَ مََا أَرْسَلْنََاكَ إِلاََّ رَحْمَةً لِلْعََالَمِينَ و عَسىََ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقََاماً مَحْمُوداً و تزيد عليهما بالرضى و لم يقل سبحانه حتى ترضى فإن العطية هذه العطية غير تدريجية بتواتر