الرسائل التوحيدية - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٢٧٣ - فصل ١١ في الجزاء
٢٧٣
يُظْلَمُونَ فصدر الآية يحكي عن النسبة المذكورة و وسطها عن الاتحاد بين العمل و الجزاء و ذيلها عن الجزاء العادل و هو سبب النسبة و العينية المذكورتين و ما ذكرناه من معنى الحساب و حقيقته في الفصل السابق عائد هاهنا أيضا إليه تعالى و قال سبحانه: وَ اِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اَللََّهِ ثُمَّ تُوَفََّى كُلُّ نَفْسٍ مََا كَسَبَتْ وَ هُمْ لاََ يُظْلَمُونَ و قال:
وَ مََا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَ أَنْتُمْ لاََ تُظْلَمُونَ و قال: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ `وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على أن ما يعمله الإنسان من خير أو شر سيرد إليه بعينه.
ثم شرح سبحانه معنى هذه العينية فقال: إِنَّ اَلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ مِنَ اَلْكِتََابِ وَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولََئِكَ مََا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ اَلنََّارَ وَ لاََ يُكَلِّمُهُمُ اَللََّهُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ وَ لاََ يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ فبيّن أنّ معصيتهم على كونها في هذه النشأة في صورة كتمان ما أنزل الله و اشتراء الثمن القليل بذلك فهي بعينها متصورة في الباطن بصورة أكل النار كما ورد مثله في أكل ما اليتيم ظلما ثم أردف سبحانه ذلك بقوله: أُولََئِكَ اَلَّذِينَ اِشْتَرَوُا اَلضَّلاََلَةَ بِالْهُدىََ وَ اَلْعَذََابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمََا أَصْبَرَهُمْ عَلَى اَلنََّارِ فبيّن أنّ هؤلاء بدّلوا الهدى و المغفرة بهذا الضلال و العذاب و الهدى و المغفرة مرتبان على الاستقامة و التقوى كما انّ أكل النار و الضلالة و العذاب تترتب على الكتمان و الاشتراء المذكورين فالتعرض منه سبحانه بالتبديل فيما يترتب على المعاصي دون ظاهر نفس المعاصي و تبديله سبحانه أكل النار و أخواته بمعنى عام و هو الضلال و العذاب بيان منه تعالى لكون تبدل صورة الأفعال مطردا في جانبي الطاعات و المعاصي جميعا فافهم و تدبّر.