الرسائل التوحيدية - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٢١٢
٢١٢
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ و قال سبحانه: إِنَّ اَلَّذِينَ قََالُوا رَبُّنَا اَللََّهُ ثُمَّ اِسْتَقََامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ اَلْمَلاََئِكَةُ أَلاََّ تَخََافُوا وَ لاََ تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ اَلَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ .
و قوله: كُنْتُمْ تُوعَدُونَ مشعر بكون البشارة بعد الدنيا و هي الآخرة و من المعلوم أن البشارة بالشيء قبل حلوله فالبشرى بالجنة قبل دخولها و هي إنّما تكون بأمر قطعي الوقوع فلا تتحقق في الدنيا حتى الموت لبقاء الاختيار و إمكان انتقال الإنسان من إحدى سبيلي السعادة و الشقاوة إلى الأخرى.
و من هنا ما ترى أنّه سبحانه في قوله: أَلاََ إِنَّ أَوْلِيََاءَ اَللََّهِ لاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ `اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ كََانُوا يَتَّقُونَ `لَهُمُ اَلْبُشْرىََ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا وَ فِي اَلْآخِرَةِ حيث أثبت في حق المؤمنين أنّهم مأمونون من الخوف و الحزن و أنّ لهم البشرى في الحياة الدنيا أثبت قبل ذلك الولاية في حقّهم و هي أن يكون سبحانه هو الذي يلي أمورهم من غير دخالة اختيارهم وانية أنفسهم في التدبير و عند ذلك تصح البشارة لعدم إمكان شقاء في حقّهم ما ولى أمرهم الحق سبحانه و لذلك غير السياق في وصف تقواهم فقال: وَ كََانُوا يَتَّقُونَ و كان حق ظاهر السياق أن يقول: (آمنوا و اتقوا) إشارة إلى أن إيمانهم هذا مكسبة بالتقوى بعد إيمان سابق عليها و هذا صفاء الإيمان من شائبة الشرك المعنوي بالاعتماد على غيره سبحانه فيه في مساق قوله سبحانه: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللََّهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ و هذا هو الذي امتن سبحانه به فسمّاه نعمة فقال: اَلَّذِينَ قََالَ لَهُمُ اَلنََّاسُ إِنَّ اَلنََّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزََادَهُمْ إِيمََاناً وَ قََالُوا حَسْبُنَا اَللََّهُ وَ نِعْمَ اَلْوَكِيلُ فارجعوا الأمر إليه سبحانه و سلبوا تدبير أنفسهم و اختيارها فقال