الرسائل التوحيدية - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٢٩٧ - فصل ١٤ في الجنّة
و شرابها و غلمانها و خلودها و ينبغي لك أن تفهم منها معانيها مطلقة غير مشوبة بالنواقص و الإعدام.
ثم اعلم أنّه سبحانه وعدهم أمرا وراء ذلك فقال: فَلاََ تَعْلَمُ نَفْسٌ مََا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزََاءً بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ و هذا الوعد بعد ما وصف سبحانه عطاءه بكل صفة جميلة بليغة يعطي أنّه أمر وراء ما يسعه افهام النفوس.
و قد روى القمّي في تفسيره عن عاصم بن صمد عن الصادق (عليه السّلام) في حديث يصف فيه الجنة، قال: قلت جعلت فداك زدني. فقال: إن الله خلق جنة بيده و لم ترها عين و لم يطلع عليها مخلوق يفتحها الرب كل صباح فيقول ازدادي ريحا ازدادي طيبا و هو قول الله: فَلاََ تَعْلَمُ نَفْسٌ مََا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزََاءً بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ .
أقول: و قوله: جَزََاءً بِمََا... يعطي أن هذا الذي فوق فهم الأفهام اخفيت للإنسان بإزاء العمل جزاءا له و قد قال سبحانه: لَهُمْ مََا يَشََاؤُنَ فِيهََا فكل ما تتعلق به المشيئة مملوك للإنسان هناك و قال أيضا: وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسََانِ إِلاََّ مََا سَعىََ `وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرىََ `ثُمَّ يُجْزََاهُ اَلْجَزََاءَ اَلْأَوْفىََ فكل ما يحبه الإنسان هناك أعم مما يسعه الفهم و ما لا يسعه مملوك لمكان قوله: (لهم) و واقع تحت المشيئة المطلقة لقوله: (ما يشاءون) لكن الآية تفيد أن للإنسان كمالا فوق مرتبة الفهم يمكن أن يملكه بالعمل و هو ظاهر و لعل ذلك ما يفيده قوله سبحانه: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاضِرَةٌ `إِلىََ رَبِّهََا نََاظِرَةٌ و هو المشاهدة بالقلوب في غير جهة و لا جسم و لا تشبيه لقوله تعالى: فَمَنْ كََانَ يَرْجُوا لِقََاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صََالِحاً وَ لاََ يُشْرِكْ بِعِبََادَةِ رَبِّهِ أَحَداً حيث رتّب اللقاء على العلم النافع و العمل