الرسائل التوحيدية - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٢٨٠ - فصل ١٢ في الشفاعة
الله سبحانه فالشفاعة توجب لحوق المذنبين من المؤمنين فقط بالصالحين منهم فمثل الشفاعة كمثل البدن إذا اعتراه مرض أو قرحة مخطورة فإن المزاج إذا كان قويّا و الطبيعة البدنية سالمة أصلحت الصحة و دفعت المرض عنه و إلاّ احتيج إلى علاج بالضد و دواء يبطل فعل المرض و ينصر الطبيعة في إعادتها صحة البدن إليه و تبديلها المواد الفاسدة المجتمعة فيه إلى الصالحة الملائمة له فالفاعل للصحة على كل حال هي الطبيعة غير أنّها مستقلة في فعلها حينا ما و محتاجة إلى ناصر ينصرها حينا ما و لذلك فإنّه سبحانه يكرر القول بأنّ لكل نفس ما كسبت و عليها ما اكتسبت و اصرح من ذلك محلاّ قوله سبحانه: وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ اِتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمََانٍ أَلْحَقْنََا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ مََا أَلَتْنََاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ اِمْرِئٍ بِمََا كَسَبَ رَهِينٌ فبيّن أولا انّه سيلحق ذريتهم بآبائهم في درجاتهم لا في أصل الرحمة لقوله: وَ مََا أَلَتْنََاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ثم أردفه بقوله تعالى:
كُلُّ اِمْرِئٍ بِمََا كَسَبَ رَهِينٌ فعدّ هذا اللحوق من الكسب مع إنّ أعمالهم دون ذلك فعلمنا به أنّ الإيمان يوجب اتصالا ما من الداني بالعالي و إذا حجبهما من الاستواء في الدرجات حاجب مانع من القصور أصلحه الايمان و ارتفعا جميعا إلى درجة واحدة و هذه حال الشفاعة توجب لحوق المشفوع بالشافع ثم اصلاح أعماله السيئة و جعلها حسنة بذلك.
و في قوله: يُبَدِّلُ اَللََّهُ سَيِّئََاتِهِمْ حَسَنََاتٍ إشارة إلى ذلك إذ لو لا أصل محفوظ بين المبدل و المبدل منه كان التبديل إعداما للمبدل و إيجادا للمبدل منه.
و اعلم أن المغفرة في ذلك كالشفاعة و سيأتي في فصلي الأعراف و المغفرة ما يتبين به هذا المعنى فضل تبين.