الرسائل التوحيدية - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٦٩
كما عرفت مبرّى منها و قال سبحانه: قُلْ لَوْ كََانَ اَلْبَحْرُ مِدََاداً لِكَلِمََاتِ رَبِّي لَنَفِدَ اَلْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمََاتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنََا بِمِثْلِهِ مَدَداً و قال سبحانه: وَ لَوْ أَنَّ مََا فِي اَلْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلاََمٌ وَ اَلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مََا نَفِدَتْ كَلِمََاتُ اَللََّهِ الآية.
فتبين من جميع ذلك أن عالم الأمر مؤلف من عوالم كثيرة مترتبة بعضها لا تحديد و لا تقدير لموجوداتها غير أنّها معلولة له سبحانه بل هي موجودات طاهرة نورية متعالية دائمة غير نافذة و لا محدودة و بعضها يشتمل على موجودات نورية طاهرة غير نافدة لكنها محدودة و يشتمل الجميع على جميع كمالات هذه النشأة الجسمانية و لذائذها و مزاياها بنحو أعلى و أشرف غير مشوب بنواقص المادة و إعدامها و كدوراتها و آلامها و لا حجاب يحتجب الحق سبحانه به عنها كل ذلك بحسب وجودهم و مراتب ذواتهم.
ثم إن الحق سبحانه بين أن الروح من هذا العالم فقال تعالى:
وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلرُّوحِ قُلِ اَلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَ مََا أُوتِيتُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ إِلاََّ قَلِيلاً و مما مرّ من البيان تعرف أن قوله سبحانه: قُلِ اَلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي يشتمل على بيان الحقيقة و ليس استنكافا عن الجواب و البيان فبين سبحانه إن الروح موجود أمري غير خلقي كما يومي إليه قوله تعالى: ثُمَّ أَنْشَأْنََاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبََارَكَ اَللََّهُ أَحْسَنُ اَلْخََالِقِينَ فظهر بذلك أنّه مشارك مع سائر موجودات عالم الأمر في شئونهم و أوصافهم و أطوارهم ثم قال سبحانه: فَإِذََا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فبين ان الروح كان غير البدن و انّه إنّما سكن هذه البنية بالنفخ الربّاني و هبط إليه من مقامه العلوي ثم قال سبحانه: كَمََا بَدَأْنََا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ .
فبان بذلك أن هذا الطائر القدسي سيترك هذه البنية المظلمة