من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٩ - وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله
لهذه العبادة، فالمشركون إنما عبدوا الأنداد لأنهم زعموا أنها رمز المال والبنين، وهكذا نجد السياق فيها يدحض الأفكار الشركية، ويستجلي بصائر التوحيد.
ومن تلك الأفكار ما زعمته النصارى في نبيهم أنه ابن الله، وقد بين القرآن إنما هو عبد أنعم الله عليه، ولكي يحصن القرآن المسلمين من الغلو في دينهم، كما فعلت الأمم السابقة، فإن هذه الآية تبين أن نبينا محمدا صلى الله عليه واله ليس إلا عبدا لله، بل هو أوّل العابدين له، وكيف يكون العبد ربا أو ولدا لله؟!
قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ولا ريب أن محمدا أعظم الأنبياء، فإذا كان هو أذل- تذللا- العابدين، فكيف يكون غيره ابنا لله؟! تعالى الله عما يصفون. وهكذا نفت الآية الكريمة الشريك عن الله ببلاغة نافذة.
وهنا قال كثير من المفسرين الكثير من الآراء، منها
[إن كلمة إِنْ هنا نافية، ومعناها: ليس للرحمن ولد. وأوردوا على هذا بمثل إن النافية لا تدخل على فعل، وعند نفي الولد فلا فرق في توحيد العبودية بين أوَّل العابدين وسواه! ثم المناسب لهذا النفي الربط ب [و] بدل [ف] إذ لا تفريع في إِنْ النافية! ويبدو أن معنى النفي قد يُفهم من مجمل تركيب الجملة على تفسير، وليس من كلمة إِنْ.
وقال البعض إنها شرطية لكن الْعَابِدِينَ تنفي العبادة بأنها هنا من (عبد) إذا اشتدت أنفته، فإن كان له ولد تولد عن ذاته، فهو والد كسائر من يلد، فمتجزّئ فمحدود كسائر الخلق، فليس إذن إلها يعبد فأنا أوَّل المتأنفين لعبادته، ولأنني أعبده مخلصا فليس له ولد؟ وأوردوا على هذا؛ نعم الْعَابِدِينَ بمعنى الآنفين وارد لغة ولكنها شاذة، وذكرها دون قرينة تصرفها عما يعرف غير فصيح ومستبعد.
وأكثر المتأخرين تابعوا السدِّي بأن معنى الآية: لو كان للرحمن ولد فأنا أحق الناس بعبادة ذلك الولد لأني أَوَّلُ الْعَابِدِينَ، فإن السلطان إذا كان له ولد فكما يجب على عبده أن يخدمه فكذلك يجب عليه أن يخدم ولده] [١]. أي إن إِنْ شرطية و الْعَابِدِينَ بالمعنى المعروف. وينبغي أن يُضاف ما يفيد النفي لأن القرآن حاسم في ما يتعلق بالتوحيد فيقال مثلا: وبما أن أول العابدين لايعبد رحمانا هكذا ولا ولدا له، فليس إذا للرحمن ولد. ويمكن أن ينتصر بأنه الظاهر العرفي، ويمكن أن يورد عليه أن تصليب نفي الولد يتطلب استبدال إِنْ المجوِّزة للنفي والإثبات ب (لو) الامتناعية.
[١] التفسير الكبير للفخر الرازي: ج ٢٧ ص ٣٣٠.