من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٥ - ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا
الإجابة تتلخص في كلمة ذكر الله، فبه تفيض النفس سكينة، والقلب اطمئنانا. إنه النور الذي يهزم ظلام الجهل والوسوسة والغفلة عن الفؤاد ..
فعندما تعصف وساوس الشيطان بالنفس، وتتلاحق عليه نزغاته وهمزاته، لا يجد الإنسان مفرا إلا إلى الله. أوَلمَ يقل ربنا وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأعراف: ٢٠٠]. وقال سبحانه إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف: ٢٠١].
ولكن البعض يعشو عن ذكر الله، يتغافل عنه ويتجاهله، لا يستعيذ بالله، يستسلم لنزغات الشيطان، ولا يتذكر أنه عدو مبين. وهنالك يتمكن منه الشيطان، ويعين له الله قرين سوء من الشياطين يقوم بأمرين
الأول: يمنعه من عمل الخير، ولا يدعه يسلك سبيل الرشاد، فيسلب بذلك توفيق الهداية عنه.
الثاني: يزيِّن له سوء عمله فيراه حسنا فلا يفلح أبدا.
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ قالوا: أصل العشو النظر ببصر ضعيف، يقال عشا إذا ضعف بصره، وأظلمت عينه نُقَيِّضْ نُعِين أو نُتيح لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ يلازمه ولا يدعه لوحده ليله ونهاره.
ولعل استخدام اسم الرَّحْمَنِ هنا لبيان مدى عمى الرجل الذي يعشو عن النظر إلى آثار من وسعت رحمته كل شيء، وتدبيره وهيمنته المصطبغين بالرحمة يمسكان بالكون. أفلا التجأ إليه من عادية إبليس، وفرَّ إلى كهف رحمته من عدوه المبين؟!.
[٣٧] [وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ السَّبِيلِ بالضبط نقيض ما تفعله الملائكة بقلب المؤمن حيث تثبته على الطريق، وتزيل عن طريقه العقبات حتى يتوفق لعمل الخير، بينما قرين السوء يُسوِّف صاحبه التوبة، ويعرقل مسيرته إلى الله، ويلقي عليه الكسل كلما قام إلى الصلاة أو دُعِيَ إلى فعل الخير. إنه يملأ قلبه وعودا كاذبة وأماني ووساوس.
بل قد يفتح الشيطان أمام صاحبه بابا مستقبليا من الخير حتى يمنعه عن الخير العاجل، ثم يمنعه عن ذلك الخير أيضا وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ هكذا يزين الشيطان لقرينه الضلال حتى يحسبه هدى. وما دام الإنسان يشك في طريقته يرجى له النجاة، ولكن حينما يزين الشيطان له عمله فلا يجد في نفسه داعيا إلى التفكر في صحة نهجه وسلامة خطه، لا ينجو أبدا.