من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٣٦
والعدل والأمن وسيلة التقدم الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام: ٨٢] وهكذا.
ولذلك جعلت معرفة الله أو معرفة آياته هدفا من أهداف الخلق حسب ما قرأنا في النص السابق ونقرؤه في قوله سبحانه اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً [الطلاق: ١٢].
ولكن كيف يمكن بلوغ كمال المعرفة الإلهية، من دون التسليم له، وطاعته وعبادته. إن التسليم لله ولسننه وهو أحد أبعاد العبادة إذ خلق الله الأشياء بقدر إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر: ٤٩]، و مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ [الروم: ٨]، وهكذا يهدي الله خلقه للوئام مع السنن قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه: ٥٠]، نعم هذا الإنسان له فسحة من الاختيار والتسليم هو طريقه الهداية لمعرفة السبيل إلى الله والانسجام مع المسيرة الكونية، علماً بأن معرفته لا تكون إلا به، وكيف يكون غيره دالا عليه، وبنوره أشرقت السماوات والأرض، أو يكون لغيره من الظهور ما ليس له حتى يكون هو المظهر له سبحانه؟!
وهو لا يمنح معرفته إلا لمن سلم له، وعبده وحده، وهكذا تكون العبادة هدفا للخلق لأنها السبيل إلى المعرفة.
ثالثاً: هل يمكن أن يبلغ الإنسان الفلاح في الدنيا والآخرة من دون شريعة واضحة يسير عليها، وهل يمكن تطبيق الشريعة بغير الإيمان بالله، والتسليم لأوامره، وهل يمكن تطهير القلب من أدرانه، وتحريره من أغلاله بغير معرفة الله، التي تجعل النفوس في رحاب قدسه، بعيدة عن الأنانية والشح، والغضب، وثائرة الشهوات؟! كلا .. إن معرفة الله، والتسليم له هما السبيل إلى طرد جنود الشيطان من القلب، وتنظيفه من وساوسه، وظنونه، وأمانيه، وتخلقه بأخلاق الرب، وتأديبه بآدابه السامية من الكرم، والإيثار، والإحسان، والتقوى، وحب الخير وأهله، لذلك نجد في آيات الذكر ما يوحي بأن هدف الخلق هو الخلق الرفيع. لنقرأ الآيات التالية
في تسع آيات قرآنية جعل الله الشكر هدفاً لنعمة الخلق أو سائر النعم كقوله سبحانه
- وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ [النحل: ٧٨].
- لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الجاثية: ١٢].