من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٣٣
حتى ليخيل للإنسان أن بعضهم يوحي لبعض بذلك؛ بيد أن الحقيقة اشتراكهم جميعا في تلك النفسية الطاغية التي تفرز مثل هذه التهم.
أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ إن التُّهم ذاتها التي افتراها قوم نوح قبل ألوف السنين على نبي الله العظيم عليه السلام نجدها اليوم مثلا على ألسنة الذين يخالفون الدعاة إلى الله، المنذرين الناس عذابه، ذلك أن أشياء كثيرة تتغير في حياة البشر إلا أنها لا تمس جوهر وجوده، والغرائز التي تنطوي عليها نفسه.
وهكذا ينبغي ألا ننزلق- نحن الذين نتلو آيات القرآن- في هذا الوادي فكلما دعانا إلى الخير داع، أو أنذرنا عن الشر منذر اتهمناه في عقله أو في نيته.
ولعل أخطر شر يجب أن نفر منه إلى الله، ونجأر إليه ليخلِّصنا منه هو هذا الطغيان الذي تنطوي عليه أنفسنا (أعاذنا الله من شرورها).
[٥٤] وحين يبلِّغ الرسول قومه الإنذار تتم الحجة عليهم، وتنتهي عندئذ مسؤوليته، فلا يظن أحد أن الرسول يكون وكيلا عنه، ومسؤولا عن هدايته بطريقة أو بأخرى. كلا .. إنه لا يلام على كفرهم بعد الإنذار المبين فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ.
[٥٥] بلى، المؤمنون يظلون موضع رعاية وعناية من لدن رسول الله، الذي لا يني يذكرهم بربهم، لأنهم يستفيدون من الذكرى وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ.
وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال
[لَمَّا نَزَلَ
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ
لَمْ يْبَقَ أَحَدٌ مِنَّا إِلَّا أَيْقَنَ بِالَهلَكَةِ، حِينَ قِيلَ للنَّبِيِ
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ
فَلَما نَزَلَ
وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
طَابَتْ أَنْفُسُنَا] [١].
[٥٦] الخلق والعبادة وردا في القرآن في نسقين من المفاهيم: نسق لبيان مقام الألوهية والاستحقاق للعبادة مثل قوله تعالى ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الأنعام: ١٠٢]، والآخر لبيان غاية الخلقكما هذه الآية الشريفة. فما الخلق وما هي الغاية؟
الخلق وهو الإبداع أو الفعل لهذا المخلوق مما يشير بوضوح إلى حقيقة المخلوقية وما ينتج عنها من أنه حق قائم بالإرادة الإلهية. ومنها حقيقة الفقر والنقص* يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر: ١٥] وهذا النقص ليس منافياً للتكامل حيث
[١] نور الثقلين: ج ٥ ص ١٣٢.