من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٣١
واسعا مدبرا.
ثم إن تدبير التكامل، وتأليف التزاوج، وتنظيم شؤونهما دليل إلى المدبر المنظم سبحانه.
وهو في الوقت ذاته شاهد على أن المدبر غير محتاج، وأنه غير محدود، وأنه لا ند له ولا نظير. جاء في الحديث عن الإمام الرضا عليه السلام
[بتَشْعِيرِهِ المَشَاعِرَ عُرِفَ أَنْ لَا مَشْعَرَ لَهُ وبِتَجْهِيرِهِ الجَوَاهِرَ عُرِفَ أَنْ لَا جَوْهَرَ لَهُ وبِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الأَشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لَا ضِدَّ لَهُ وبِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الأَشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لَا قَرِينَ لَهُ ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ واليُبْسَ بِالبَلَلِ والخَشِنَ بِاللَّيِّنِ والصَّرْدَ بِالحَرُورِ مُؤَلِّفٌ بَيْنَ مُتَعَادِيَاتِهَا ومُفَرِّقٌ بَيْنَ مُتَدَانِيَاتِهَا دَالَّةً بِتَفْرِيقِهَا عَلَى مُفَرِّقِهَا وبِتَأْلِيفِهَا عَلَى مُؤَلِّفِهَا وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى
وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
فَفَرَّقَ بَيْنَ قَبْلٍ وبَعْدٍ لِيُعْلَمَ أَنْ لَا قَبْلَ لَهُ ولَا بَعْدَ لَهُ شَاهِدَةً بِغَرَائِزِهَا أَنْ لَا غَرِيزَةَ لِمُغْرِزِهَا مُخْبِرَةً بِتَوْقِيتِهَا أَنْ لَا وَقْتَ لِمُوَقِّتِهَا حَجَبَ بَعْضَهَا عَنْ بَعْضٍ لِيُعْلَمَ أَنْ لَا حِجَابَ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِهِ] [١].
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فتزدادون معرفة بالله كلما أحسستم بالحاجة، وكلما قضيت لكم. حقا إن معرفة الله هي الهدف الأسمى لخلقة العالم. أوَلَيست المعرفة هي السبيل إلى التقرب إلى الله، والأنس بمناجاته، والفلاح بذكره.
[٥٠] ولكن كيف نتسامى إلى الله وقد أحاطت بنا عوامل النقص والعجز، فمن نفس أمارة بالسوء تسوِّل لنا الذنوب وتسوفنا التوبة، إلى شيطان يغوينا يزين لنا الموبقات، ويملأ أفئدتنا بالتمنيات والوساوس والظنون، وإلى طغاة الأرض الذين يضيِّقون علينا مذاهب الحياة حتى نسلَّم لهم أمورنا، ونشركهم في ديننا ودنيانا، وإلى مجتمع فاسد، وتربية مفسدة، وثقافة ضالة .. و .. و .. كل هذه العوامل تهبط بنا إلى واد سحيق. فكيف نتسامى إلى الله، ونحرز الفلاح؟!
القرآن الكريم يجيب عن ذلك فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ استعيذوا به من كل شر تذكروه، ناجوه، واعتمدوا مناهجه التي أوحى بها، أطيعوا من أمركم بطاعته، والوا من أمركم بولايته.
والأدعية المأثورة عن أهل بيت الرسول صلى الله عليه واله زاخرة بمعاني الاستعاذة بالله، والالتجاء إليه، والفرار من سخطه: واليك بعضا منها
[الحَمْدُ لِلَّهِ وَالحَمْدُ حَقُّهُ كَمَا يَسْتَحِقُّهُ حَمْداً كَثِيراً، وَأَعُوذُ بِهِ مِنْ شَرِّ نَفْسِي،
إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي
وَأَعُوذُ بِهِ مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ الَّذِي يَزِيدُنِي ذَنْباً إِلَى ذَنْبِي، وَأَحْتَرِزُ بِهِ مِنْ كُلِّ جَبَّارٍ فَاجِرٍ، وَسُلْطَانٍ جَائِرٍ، وَعَدُوٍّ قَاهِرٍ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ جُنْدِكَ، فَإِنَّ جُنْدَكَ هُمُ الغَالِبُونَ، وَاجْعَلْنِي مِنْ حِزْبِكَ، فَإِنَّ حِزْبَكَ هُمُ المُفْلِحُونَ،
[١] الكافي: ج ١ ص ١٣٨.