من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٣٠
وإذا حددنا عمر المجرة بخمسة عشر مليار سنة، فلا يعني ذلك أن عمر الكون محتوم بها، ونحن نعلم الآن أن المادة تتحول بلا انقطاع إلى طاقة (وبتعبير أصح إلى إشعاع) وفي داخل الظاهرات الهائلة العاصفة في الآفاق الفضائية تعيد هذه الطاقة تكوين المادة بدون انقطاع، وإن كان سياق إعادة الخلق هذا في غاية البطء.
[٤٨] كيف مهد الله الأرض لحياة البشر، كيف تحطمت الصخور التي تكونت أصلا منها حتى أضحت ترابا مرنا، يصنع منه المساكن، ويشق فيه الطرق، ويزرع فيه ما يشاء؟ ولو كانت صلبة كصخور كوكب الزهرة أو رخوة كتراب القمر هل كنا نرتاح عليها، وكيف أودع في ضميرها ما نحتاج إليها من مواد تخصب زراعتنا، وتطهر أجواءنا وتمتص ما يضر بنا؟!
وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ بلى، يا ربنا! أنت نعم الممهد والمهيئ للأرض لعيشنا سبحانك.
[٤٩] وبين السماء التي هي آية قدرة الله، والأرض التي هي آية رحمة الله نجد الأحياء والنباتات والأشياء التي جعلها الله يكمل بعضها بعضا. فإذا كانت الأرض تكمل الشمس، ويكملها القمر، فإن البحر يكمل فوائد البر، وهكذا السهل والجبل، والإنسان وسائر الأحياء، وكل أنواع النبات يكمل بعضها بعضا كما يكمل سائر المخلوقات.
وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ وتتجلى هذه الزوجية في أروع صورها بين الذكر والأنثى، التي نراها في الإنسان والحيوان والنباتات، بل في كل شيء مخلوق حتى الذرة المتناهية في الصغر تجد فيها الجانب المنفي (المتمثل في الإلكترون) والجانب المثبت (المتمثل في البروتون).
وهذا التكامل عنوان الحاجة المشتركة بين المخلوقات التي هي بدورها تهدينا إلى بصيرتين
ألف: الحاجة بذاتها نعمة، والتحسُّس بها وقود التحرك، وإشباعها لذة الوجود، فلو افترضنا حياة بلا حاجة إلى الطعام والشراب والراحة والجنس فهل كانت لدينا رغبة فيها. إنها أخت الموت، وكلما ازدادت، واشتدت، وتنوعت الحاجة ازدادت وتنوعت واشتدت اللذة في قضائها .. أليس الشبع بعد الجوع، والأمن بعد الخوف، والنكاح عند الشبق أشد لذة وأعظم؟!
باء: التكامل وبخاصة بين الزوجين دليلنا إلى ربنا، لأن كل شيء يحتاج إلى غيره، فلا يتصور فيه الاستقلال والألوهية لشهادة كل محتاج أنه فقير محدود ومدبر، وأن له ربا غنيا،