من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٢٤ - وفي السماء رزقكم وما توعدون
وهذا الترديد شائع عند كل الذين يكفرون بالحق، ويعاندون أمام الحجج البالغة، ذلك أن الحق يفرض نفسه على الساحة حتى لا يكاد أحد يقدر على التهرب منه.
[٤٠] انظر إلى عاقبة أمرهم، لقد أخذهم الله بقوته فلم يقدروا على الفرار من جزائه العادل بمثل ما تهربوا من الحق الذي دعاهم إليه، ثم ألقاهم في البحر كما ينبذ شيء يسير لا وزن له ولا قيمة فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِ ولا يلام غيره. أفلم ينذره الله، وأتم الحجة عليه فلم تنفعه شيئا؟ وَهُوَ مُلِيمٌ تلاحقه لعنة الله والملائكة والناس إلى يوم القيامة.
[٤١] وإذا تكررَّت صورة أخذ الطغاة والمجرمين فإن السنة واحدة، وتلك السنة تصبح عبرة لمن شاء أن يعتبر، ففي أرض الأحقاف الواقعة- حسب المفسرين- بين حضرموت وعمان كانت قبائل عاد تطغى وتفسد وتبطش بالناس كما الجبارون، وجاءهم النذير فلم يستجيبوا له، فأرسل الله عليهم الريح لا لكي تلقح ثمارهم أو تحمل الغيث إلى أرضهم العطشى، بل لكي تبيد ما أتت عليه من زرع وضرع وإنسان وأثاث وبناء حتى لا تخلف وراءها شيئا فهي عقيم.
وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الرِّيحَ الْعَقِيمَ وقالوا في معنى العقيم: أنه الذي لا ينتج غيثا ولا لقاحا. ولعل العقيم هو الذي لا يذر شيئا بعده فتكون الآية التالية تفسيرا له.
[٤٢] ويبدو أن الإعصار كان نارا وُسمّاً، وهكذا لم يدع شيئا قائما على حاله بل أباد الأرض وما عليها وجعلها رميما.
مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ قالوا: من الرمة العظم البالي، والرمة الحبل البالي، والرم ما يقع على الأرض من التبن، وقال البعض: الرميم الرماد، وقال آخر: إنه الذي ديس من يابس النبات. إنه التراب المدقوق، وقال ابن عباس: [كالشيء الهالك البالي] [١].
ويبدو لي أن الكلمة توحي بانعدام الشيء، فإذا كان البناء يتهدم، وإذا كان العظم أصبح مهشما، والحبل باليا، والتراب رمادا لا حياة فيه .. وإذا صح هذا التفسير فإن تلك الأرض لا تصلح لإعادة الحياة فيها أبدا، وهذا عاقبة طغيانهم وتحديهم لرسالات ربهم.
[٤٣- ٤٤] ومن جنوب الجزيرة العربية إلى شمالها حيث سكنت قبائل ثمود في منطقة (حجر) نقرأ ذات القصة، ونجد العبرة ذاتها، وتتجلى حقيقة المسؤولية والجزاء.
لقد كفروا بالرسالات، وتمردوا على رسولهم، وعقروا الناقة، فأمهلوا ثلاثة أيام، فلم يقدروا على الفرار، ولا نصرهم ما أشركوا به، ولا نفعتهم الحيلة، بل دمروا بالصاعقة شر
[١] بحار الأنوار: ج ١١، ص ٣٤٩.