من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٢ - فذكر بالقرآن من يخاف وعيد
هدى من الآيات
لاتزال الآيات القرآنية تعالج العجب الذي اعترى الكفار من حديث البعث، وهي في هذا الدرس تصوِّر لنا بعض مشاهد القيامة، لتكشف لنا جانبا من أسرار النشأة الأخرى التي لا وسيلة للتعرف إليها إلا من خلال القرآن، لكن الهدف الأهم من ذلك لهذا اللون من الحديث هو التربية، ذلك أنه لو ترك الإنسان الحجب الشهوانية، والاجتماعية، والتربوية، والوراثية، لرأى الحقيقة بوضوح تام، لأن هذه الحجب والأغلال هي التي تمنع عقله من الانطلاق في آفاق الايمان والمعرفة. ولكن كيف يقتحم البشر هذه العقبات، وينفذ بعقله إلى ما وراءها من الحقائق؟.
إن ذلك لا يمكن إلا بهزَّة عنيفة تتعرض لها نفسه، فتسقط عنها أستارها ومن شأن الآيات القرآنية بحديثها عن مشاهد القيامة السلبية والايجابية، وبالإسلوب البلاغي والنفسي الرائع أن تحدث هذه الهزة.
إن مجرد سماع الإنسان حديث القيامة يكفي أن يبعثه نحو التفكير، وإذا فكر تفكيرا سليما اهتدى الى الحقيقة، ونضرب على هذه الفكرة مثلا فنقول: لو كان شخص يسير باتجاه حفرة في طريقه، فإن مخاطبته بكلمة انتبه وحدها، حري بأن يرفع عنه الغفلة ويوقظ عقله وحواسه، فيكتشفها دون أن يحتاج الأمر الى بيان مفصل. وهكذا لو كنت في سيارة تسير بسرعة وقد غفل سائقها في حين اعترضته سيارة أخرى، فإن رفع الغفلة عنه قد لا يحتاج إلا الى كلمة واحدة ليضغط على الفرامل. وهكذا القرآن يهز ضمير الإنسان لينتبه من غفلته، ويستثير عقله في مسيرة الحياة ليفكر فيهتدي للحق، لأن مشكلته الأساس أنه لا ينتفع بعقله.
ثم إن القرآن جاء ليحقق هدفين هما: تزكية نفس الإنسان بهدايته الى الحق ودفعه للالتزام به في كل جوانب الحياة، كما جاء ليزيده علما بالحقائق من حوله وفي نفسه هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة: ٢]. لذلك فالآيات كلها تنتهي إلى أحد هذين الهدفين أو إليهما جميعا في موضع واحد، ومن هنا ينبغي لنا أن نقرأها مرة للتعلم ومرة للاتعاظ.
بينات من الآيات
[٣١] إن الله لم يخلق ولا شبرا واحدا من النار عبثا، إنما ليتعذَّب فيه واحد من المجرمين، ولم يخلق الجنة إلا ليكرِّم بها فريقا من عباده هم المتقون، وليس يفصل بين الجنة أو النار وبين