من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٩ - وما أنا بظلام للعبيد
رسالته وأوليائه، ويستزيد من عمل الصالحات فإنه ينطلق في مسيرة تصاعدية نحوالأعلى، يتقرَّب الى الله درجة بعد أخرى كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ [المطففين: ١٨- ٢١].
[٢٧] وحيث يلقى المشرك في جهنم يظل يهوي إلى الأسفل مدة من الزمن حسب انحرافه وسيئاته الى أن يحل في مكانه المعد له بين يدي عذاب إلهي شديد، وهناك كما عند الحساب يلقى قرناءه عملا فيدور بينهم خصام شديد يلقي كل طرف فيه اللوم على الطرف الآخر محاولا بذلك التهرب من المسؤولية، فإذا بالذي جعل مع الله آلهة أخرى- وقد أمر به الى النار- يريد التخلص من عذابها بإلقاء مسؤولية انحرافه وضلاله على قرينه.
قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ إنه كاذب في ادعائه بانني السبب في طغيانه، ثم يستدل قائلا وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ربما يكون للآخرين دور في انحراف مسيرة الإنسان ولكنه لا يعدو كونه مساعدا، أما الدور الأكبر والسبب الحقيقي مرهون باختياره وإرادته للباطل دون الحق، فلأنه أساسا اختار الضلال تجد مساعي الآخرين والظروف المتجانسة مع اختياره موقعا مؤثرا في حياته.
[٢٨] ثم إن التخاصم عند الله لا ينفعهم شيئا وذلك لما يلي
أولًا: إن المصير الذي صاروا اليه لم يكن مفاجئا ولا غامضا لهم. وكيف يكون كذلك وقد أقام الله الحجة البالغة عليهم، وأنذرهم من هذه العاقبة، عبر كتبه ورسله؟
قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ وأنذرتكم من أن الشرك والضلال يستوجب العذاب الشديد، وضربت لكم المثل تلو المثل من حياة الأقوام السابقة (الآيات ١٢ إلى ١٤) ولكنكم كذبتم النذر، واستهزأتم بالوعيد، والقرآن يفصل هذه الحقيقة في موضع آخر، يقول تعالى تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنْ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك: ٨- ١١].
[٢٩] ثانياً: إن لله سننا وقيما في هذه الحياة، جعلها حاكمة وجعلها الميزان في كل قضية، وعلى أساسها يكون حساب الناس ومصيرهم، وهي ثابتة لا تتغير. ومنها أن جزاء الكافر والمشرك النار، وجزاء المؤمن الجنة، ولا يمكن أن يكون العكس وإلا فما هي حكمة الحياة الدنيا، وما هو دور النذر إذا لم يجعل الله للثواب والعقاب نظاما محددا؟!