من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٨ - وما أنا بظلام للعبيد
أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ أنكر فضل الله، ولم يؤدِّ شكر نعمائه بعبادته والتسليم له عَنِيدٍ خالف آياته وأوامره وعاكسها في حياته.
وهكذا يدخل النار كل مانع للخير، والخير كلمة واسعة تضم اليها الكثير من المفردات، فقد يكون الخير المال الذي ينعم به الله على الإنسان فلا يخرج منه الحقوق الواجبة، ولا ينفق منه على المحتاجين، وقد يكون الخير هو العلم الذي زكاته نشره بين الناس ولكن صاحبه لا يتحمل رسالته في الحياة، وهكذا يمتد ظل هذه إلى كثير من المفردات الأخرى. ولكن أهم معاني الخير القيادة الصالحة، وأي خير أعظم من قيادة يهتدي بها الإنسان السبيل الحق في مرافق الحياة المختلفة؟ وكم يكون الإنسان آثما حينما يحارب أولياء الله ويصد الناس عنهم؟.
وفي الخبر عن علي بن إبراهيم قال
[وَالخَيْرُ وَلَايَةُ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عليه السلام وَحُقُوقُ آلِ مُحَمَّدٍ]
[١] ولا شك ان محاربة العلماء والفقهاء والقادة الرساليين جزء لا يتجزأ من محاربة الرسول والأئمة عليهم السلام، بل هي محاربة الله، أوَلَم يقل عزَّ وجلَّ
[مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيّاً فَقَدْ بَارَزَنِي بِالمُحَارَبَةِ]
[٢]؟ وهكذا يحاربه الذي ينال من سمعة أوليائه فيصنع حاجبا بين الناس وبينهم.
مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ والمعتدي هو الذي يتجاوز الحدود والحقوق، أما المريب فهو الذي لا قناعة عنده بالقيم وربما ادّعى الايمان لأغراض خبيثة.
[٢٦] وكل هذه الصفات التي تستوجب جهنم (الكفران والعناد، ومنع الخير والاعتداء والارتياب) كلها مظاهر للشرك الخفي أو الظاهر.
الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ المشرك ليس الذي يعتقد بإله مع الله، بل الذي يخضع لقيادة لم يأمر بها الله فالذي يرضى عمليا بالحاكم الظالم، أو يطيع أمره في معصية الله مشرك، وإن لم يعتقد بأنه رب وإله، كما أنَّ من يطيع هواه فهو عابد له، وهو بذلك يستحق العذاب، وربنا يأمر الملكين بالقائه في جهنم.
فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ والإلقاء لا يكون إلا من الأعلى الى الأسفل، وإنما يفعل بأهل النار كذلك، لأن الله خلق الإنسان في مرتبة عالية فضله بها على الكثير من خلقه، فاذا أشرك به وانحرف عن الصراط بدأ سيرته التسافلية والإلقاء في جهنم من الأعلى إلى الأسفل هو تجل لهذه الحقيقة التي تبيِّنها سورة التين في قوله تعالى لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: ٤- ٥]. أما حينما يستمر على خط الفطرة ويتمسك بحبل الله المتمثل في
[١] بحار الأنوار: ج ٢٩ ص ١١٣.
[٢] الكافي: ج ١ ص ١٤٤.