من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٧ - وما أنا بظلام للعبيد
[٢٢] وهؤلاء الشهود وذلك السائق كلهم حاضرون اليوم كحضور أية حقيقة أخرى في الواقع، إلا أن حجب الجهل والغفلة والشهوات، ومن ثم غياب بصيرة الايمان، تمنع الإنسان من الرؤية، فإذا ما تكشفت له الحقائق وبلغ عين اليقين في معرفتها، هنالك يأتيه الخطاب من الله
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ إن الحقائق التي كثيراً ما أنكرها المشركون تبدو لهم يومئذ أوضح من الشمس في رابعة النهار. ولقد صدق الامام علي عليه السلام إذ قال
[النَّاسُ نِيَامٌ فَإِذَا مَاتُوا انْتَبَهُوا]
[١]. أما المؤمنون الصادقون فقد تعرَّفوا إلى هذه الحقائق بفضل اتباع وحي الله وأوليائه، وأنهم كما يصفهم الامام زين العابدين عليه السلام إذ يناجي ربه قائلا
[إِلَهِي فَاجْعَلْنَا مِنَ الَّذِينَ تَوَشَّحَتْ
[تَرَسَّخَتْ]
أَشْجَارُ الشَّوْقِ إِلَيْكَ فِي حَدَائِقِ صُدُورِهِمْ وَأَخَذَتْ لَوْعَةُ مَحَبَّتِكَ بِمَجَامِعِ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ إِلَى أَوْكَارِ الأَفْكَارِ يَأْوُونَ وَفِي رِيَاضِ القُرْبِ وَالمُكَاشَفَةِ يَرْتَعُونَ وَمِنْ حِيَاضِ المَحَبَّةِ بِكَأْسِ المُلَاطَفَةِ يَكْرَعُونَ وَشَرَائِعِ المُصَافَاةِ يَرِدُونَ قَدْ كُشِفَ الغِطَاءُ عَنْ أَبْصَارِهِمْ وَانْجَلَتْ ظُلْمَةُ الرَّيْبِ عَنْ عَقَائِدِهِمْ مِنْ ضَمَائِرِهِمْ وَانْتَفَتْ مُخَالَجَةُ الشَّكِّ عَنْ قُلُوبِهِمْ وَسَرَائِرِهِمْ وَانْشَرَحَتْ بِتَحْقِيقِ المَعْرِفَةِ صُدُورُهُمْ وَعَلَتْ لِسَبْقِ السَّعَادَةِ فِي الزَّهَادَةِ هِمَمُهُمْ وَعَذُبَ فِي مَعِينِ المُعَامَلَةِ شِرْبُهُمْ وَطَابَ فِي مَجْلِسِ الأُنْسِ سِرُّهُمْ وَأَمِنَ فِي مَوْطِنِ المَخَافَةِ سِرْبُهُمْ وَاطْمَأَنَّتْ بِالرُّجُوعِ إِلَى رَبِّ الأَرْبَابِ أَنْفُسُهُمْ وَتَيَقَّنَتْ بِالفَوْزِ وَالفَلَاحِ أَرْوَاحُهُمْ ...] [٢].
وهذا اليقين ممكن لكل إنسان لو استشار عقله واتبَّع هدى الرب، إلا أن الغفلة- ومن ثم الاسترسال في الجهل والشهوات- كل ذلك يحجبه عن الايمان والمعرفة.
[٢٣] ويوم القيامة يرفع الله كل الحجب فإذا بالحقائق واضحة كعين الشمس لايعتريها شك ولا ريب، ولكن هل تنفعه المعرفة شيئا؟ .. كلا. فالكلمة حينها للشاهد الذي رافقه لحظة بلحظة، ومصيره مرهون بما أعدَّه وسجَّله عليه وله، حيث يعرضه على الله.
وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ أي معد بدقة وحق فهو يعتد به في الحساب.
[٢٥- ٢٤] وعندما توضع أعمال الإنسان في الميزان يصدر الله حكمه الحاسم في حقه، فإن ثقلت موازينه أدخل الجنة صالح البال راضي النفس، وإن خفت أمر الله السائق والشهيد أن يأخذانه إلى النار.
[١] بحار الأنوار: ج ٤ ص ٤٣.
[٢] بحارالأنوار: ج ٩١، ص ١٥٠.