من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٦ - بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان
أولئك قوم من أعراب بني أسد- حسب المفسرين- قدموا على رسول الله في سنة جدبة، وأظهروا الشهادتين (رغبة في عطاء الرسول ليس إلا)، لم يكونوا مؤمنين في السر وأفسدوا طرقات المدينة بالعذرات، وأغلوا أسعارها، وكانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه واله (وهم يمنُّون عليه) أتيناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، فأعطنا من الصدقة وجعلوا يمنُّون فأنزل الله* قَالَتْ الأَعْرَابُ الآية [١].
قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ بأنكم مؤمنون حقا وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
[١٧] الإيمان نعمة كبرى لا تساويها نعمة، وحين يزكي الإنسان نفسه ويروضها بالتقوى، ويسعى لرؤية الحقائق، حينئذ يتجلى الله لقلبه، فيرى الله بنور الإيمان ويرى بنور الله كل شيء.
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ لأن الإسلام إذا كان لهدف مادي فهو إذا لمصلحتهم ولا يستدعي المنة، وإن كان إخلاصا لله، فإن الله يمنُّ عليهم به وبما يليه من الإيمان.
بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ في ادعائكم الإيمان ويبدو أن السياق يتناول قصة أعراب بني أسد الآنفة الذكر بالرغم من أنها تعمُّ كل أولئك الذين يدَّعون الإيمان ويجعلونه وسيلة للتعالي على الناس، واكتساب الشهرة والثروة والسلطة.
[١٨] ولكي يوجد القرآن وازعا نفسيا للإنسان ألَّا يزكي نفسه ويدَّعي الإيمان كاذبا، أو يحاول ابتزاز الآخرين باسمه، فإن الله يحذرنا نفسه، ويذكرنا بأنه محيط بكل شيء علما.
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ فالأعمال يزنها بقدر الإخلاص فيها .. وبهذه الآية تختتم سورة الحجرات التي يحتاج المسلمون اليوم أكثر من أي يوم مضى إلى أن يعوها وعيا، وبالذات الطليعة الرسالية التي قد تتسرَّب إليه أيضا الحمية الجاهلية ولو بألوان جديدة كالتحزب والتفاخر، نسأل الله أن يقينا شرور أنفسنا، ويصون ديننا من كل شائبة شرك أو ظلم أو نفاق.
[١] تفسير القرطبي: ج ١٦ ص ٣٤٨.