من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٢ - إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا
كيف يحصِّن التجمع الإيماني من رياح الفتنة بتذكير المسلمين عن دور الأنباء الكاذبة التي يبثها الفسقة فيفرقون بين الناس .. ونهيهم عن الاسترسال معها، لأنها تؤدي إلى معارضة قوم أبرياء مما يجر إليهم ندامة وحسرة.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ذلك أن دوافع الفاسق ومنطلقاته شيطانية فقد يكذب أو يمشي بنميم أو ينقل جانبا من الحقيقة ويسكت عن سائر الجوانب .. فإذا قبلناه على علَّاته فسوف نقع في أخطاء جسيمة، أبرزها إثارة الفتن في المجتمع.
الفاسق الذي تجاوز الحدود الإلهية لا يمكنه أن يكون موجها للأمة ومجرد الاستماع إلى نبئه دون تحقيق وتثبيت يجعله في مقام التوجيه.
أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ أي لكي لا يورِّطكم الفاسق في معارضة فئة مؤمنة من دون تحقيق منكم، ثم تندموا بعد فوات الأوان .. ونستوحي من الآية عدة بصائر
أولًا: أن أكثر الصراعات الاجتماعية التي تعصف بالمؤمنين منشؤها الفاسقون الذين لا تروق لهم وحدة المؤمنين فيثيرون الفتنة بينهم. وحين نتفكر في واقع المسلمين اليوم نجد أن الذين يذكون نار الصراع بينهم هم في الأغلب أبعد الناس عن القيم، وقد تكون سوابقهم السيئة وأحقادهم ضد الإسلام، وخشيتهم من الفضيحة هو السبب في تطرفهم ضد هذه الطائفة أو تلك. وإذا استطاع المؤمنون إبعاد أثر الفسقة عن تجمعاتهم قدروا على سد أكبر ثغرة تهدد كيانهم!.
ثانياً: واليوم حيث يتعرض المسلمون لغزو ثقافي وهجمة إعلامية عبر آلاف المؤسسات الدعائية المتنوعة ترانا أحوج مما مضى إلى تنفيذ هذه الوصية الإلهية أن نتبيَّن ما يقولون لأنهم فسقة لا يتقون الله فيما يقولون، هذه الوكالات الخبرية التي تمِّولها وتقودها الرساميل والأنظمة هل تلتزم بالصدق؟ هذه الصحف الصفراء التي تنطق باسم المترفين والطغاة هل ترعى جانب الحق؟ هذه الإذاعات التي تصب في آذاننا وأذهاننا كل يوم شلالا من المعلومات المختلطة هل نضمن صدقها؟ كلا .. إذن لا بد من التثبت، ولكن كيف؟ لأن حجم الأفكار والأخبار التي تبث من خلال أجهزة الدعاية كبير، فإن قدرة الأفراد على التثبت منها محدودة، فلا بد إذا من وجود مؤسسات موثوق بها تقوم بدور المصفاة وتنتقي السَّمين وتقدمه للمؤمنين.
هذه المؤسسات قد تكون معاهد ومراكز للدراسات والبحوث، وقد تكون تنظيمات دينية، وقد تكون خبراء أكفاء يرجع إليهم المؤمنون في توثيق المعلومات، وقد تكون مؤسسات