من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠٨ - لا تقدموا بين يدي الله ورسوله
السبب يتلخص في أمرين
أولًا: أن أغلب الفرائض تروض النفس وتطهِّرها من الكبر. فإذا طغت النفس وتكبرت على القيادة الشرعية فقد تبين أن هدف الفرائض لم يتحقق، فأحبطت الصلاة التي تكرس الذاتية، بدل الخشوع، والزكاة التي تزيد الهوة والطبقية في الأمة، والحج الذي يورث صاحبه التعالي والتفاخر، والصيام الذي لا يورث التقوى في النفس، إنها جميعا عرضة للإحباط لأنها لم تحقق أهدافها.
ثانياً: إن الولاية عَمَدُ الدين، فإذا سقط العمد ماذا يبقى من الدين؟ أليس الدين نظاماً اجتماعياً متكاملًا يدور حول محور القيادة الشرعية؟ فإذا ذهبت انهار كل شيء.
وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ إن أعظم الأمراض خطرا ذلك المرض الذي لا يحس به المبتلى، لأنه لا يبادر لمعالجته وقد لا يقتنع بالمعالجة، كذلك أخطر الذنوب الذنب الذي لا يشعر به المتورط فيه لأنه يسير به في طريق جهنم وهو يزعم أنه من أهل الجنة، ومخالفة القيادة من هذه الذنوب قال الله سبحانه قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [الكهف: ١٠٣- ١٠٤].
ونتساءل: لماذا لا يشعر الإنسان بخطورة مخالفة القيادة الشرعية أو الاستخفاف بها؟
ويبدو أن النفس تسوِّل لصاحبها بعض الذنوب بصورة تجعلها حسنات، فهي كمرض النوم (تسي تسي) يجعل ضحيته يخلد إلى النوم حتى الموت، وكلما اقترب إلى نهايته أوغل في اللا وعي.
ثم إن حبْط العمل بذاته من الأمور التي يصعب التحسس بها. أرأيت لو قيل لك أن ثواب حجتك التي أرهقت بها نفسك، وأنفقت فيها مالا كثيرا قد ذهب أدراج الرياح بمجرد رفع صوتك في مجلس القيادة الشرعية. لا تصدِّق بذلك بسهولة ولكنه هو الواقع.
وأبسط دليل على تزيين الشيطان لنا مخالفة القيادة الشرعية أن المسلمين اليوم- كما في التاريخ- يتولون عن قيادتهم دون أدنى إحساس بالذنب، بل ترى الكثير منهم يزعم أن لا علاقة للدين بشؤون الحياة الفعلية، فلا حاجة إلى الإمام والقيادة الشرعية اليوم.
[٣] هل تريد أن تعرف مدى قبول أعمالك الصالحة، قبل يوم القيامة، أي قبل فوات الأوان؟ إذا تعال وقس نفسك بميزان القرآن، كيف؟ أليست الفرائض ذات حكم وفوائد تتجلى في حياة البشر؟ بلى، إذا دعنا نقيس أنفسنا بمدى تحقق تلك الحكم والفوائد في أنفسنا