من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠١ - الإطار العام أخلاقيات المجتمع المؤمن
عيباً مستوراً فلا يجوز أن نشيعه عليه من وراء ظهره بالغيبة، لأنه بمثابة أكل لحم أخينا ميتاً. أوَلَيس ذلك نيلًا من كرامته؟ وكرامته أعظم أم بدنه (الآية: ١٢)؟
٥- ثم يرسي السياق قاعدة التوحيد التي ترفض أي نوع من التمييز المادي بين الإنسان والإنسان، ويؤكد ربنا أن أصل البشرية واحد؛ آدم وحواء، فلا تفاخر في الأنساب، وأن الحكمة من جعلهم شعوباً وقبائل هو التعارف وليس التدابر والتسامي، فإذا عرف بعضهم بعضاً ضبطت المسؤوليات والحقوق وتهيأت فرصة العدالة. بلى؛ إن هناك تمايزا واحداً هو التقوى، فإن أكرم الخلق عند الله أتقاهم. ومن معاني التقوى سلامة الفكر واستقامة السلوك، وبذلك يكون التنافس على ما يقدم البشرية نحو أهدافها النبيلة (الآية: ١٣).
٦- وفي الآيات الأخيرة يفسِّر السياق التقوى ببيان أصلها المتمثل في الإيمان، ربما لكي لا يدعيها الطامعون والانتهازيون فيقول: قالت الأعراب آمنا ..
وكان طائفة التجأوا إلى المدينة طمعاً في خيراتها بعد أن أجدبت أراضيهم، فنفى عنهم القرآن إيمانهم، ولكن لم ينف أنهم مسلمون، كما لم ينف أجرهم عند الله، إن هم أطاعوه وأطاعوا الرسول. أوليس الله غفوراً رحيماً؟ (الآية: ١٤).
وهناك مقياسان نستوحيهما من القرآن للإيمان؛ عدم الشك بخاصة عندما تخالف تعاليم الدين أهواءهم ومصالحهم، والجهاد بالمال والنفس في سبيل الله، فمن فعل ذلك فقد كان صادقاً في إيمانه. (الآية: ١٥).
ويزعم البعض أن ادعاءه الإيمان يكفيه، وكأنه يعلّم الله بدينه، والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض، والله بكل شي ء عليم. (الآية: ١٦).
وترى بعضهم يمنون على الرسول صلى الله عليه واله إسلامهم- كأعراب البادية الآنف ذكرهم- والله يمن عليهم بالإيمان، لأنه نعمة كبرى إن كانوا صادقين في ادعائه (الآية: ١٧).
ويختم القرآن السورة بأن الله يعلم غيب السماوات والأرض وأنه بصير بما يعمل الخلق، ولعله تحذير من ادعاء الإيمان لمصالح مادية (الآية: ١٨).