من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٧ - لقد صدق الله رسوله الرؤيا
هكذا كشف النبي صلى الله عليه واله عن زيف ادعاءات قريش، وأسقطها سياسيا عن كرسي سيادة العرب تمهيدا لإسقاطها عسكريا فيما بعد.
ثم إن جريمة قريش كانت كبيرة، إذ كيف يمنع المشرفون على البيت، والمدعون خدمة الوافدين عليه الناس من ممارسة شعائرهم؟! أولا يستحق هؤلاء القتل والعذاب بعد ظفر المسلمين بهم؟ نعم، ولكن الله حجز المؤمنين عن أذاهم لوجود المؤمنين بينهم، سواء المؤمنين بالفعل ممن أخفى إيمانه تقية، أو الذين هم على أعتاب الدخول في الدين، ويحدثون أنفسهم بالانتماء إلى الرسالة وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني لو كنتم تقاتلون الكفار- دون أن يكف الله أيديكم عنهم- لكنتم تقتلون فيمن تقتلون المسلمين من دون علم، لأنهم كانوا يكتمون إيمانهم على خوف من قريش، ولأن شروط الصلح كانت لا تسمح لهم باللجوء إليكم، ولو فعل المؤمنون ذلك لربما أضرهم، ولكن الله لم يأمرهم بالقتال.
ونعرف من هذه الآية
أولًا: أن المؤمنين استفادوا من فترة السلام التي وفَّرها الصلح في تقوية أنفسهم وبناء حركتهم وتوسيعها، إلى الحد الذي اخترقوا فيه كيان قريش نفسها، وحيث سارت جيوش الإسلام لفتح مكة كانت قريش منخورة الكيان من الداخل، وكان الجند- وربما كثير من الزعماء الذين ينتظر منهم محاربة أتباع الرسالة- ينتظرون الفرصة المناسبة للتلاحم مع صف المؤمنين ضد أعدائهم، وهذا بالفعل ما تؤكده سورة النصر وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً [النصر: ٢]، وربما لذلك أيضا لم تجد قريش نفسها قادرة على اتخاذ قرار المواجهة العسكرية ضد الجيوش القادمة من المدينة بقيادة الرسول الأعظم صلى الله عليه واله، الأمر الذي جعل المسلمين يدخلون مكة فاتحين دون تضحيات.
ثانياً: أن المؤمنين كانوا يجهلون هذه المكاسب العظيمة للصلح، وذلك هو الذي جعل بعضهم يعترض على الرسولصلى الله عليه واله، وربما طفق يشك في قيادته، فهم لم يكونوا يعلمون بالجبهة الإيمانية الموجودة في صفوف أهل مكة، وقول بعضهم وقد حمل الراية [١]
اليَوْمُ يَوْمُ المَلْحمَة
اليَوْمُ تُسبَى الحُرَمَةُ