من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٦ - لقد صدق الله رسوله الرؤيا
السُنَّة، فكيف بهم؟ وَهَبَ أنهم أقوى من الغابرين، أو جاء في التاريخ من هو أقوى من أولئك، فهل يغلب الله على أمره؟
سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا أولم ينتصر نوح على كل الكافرين في الأرض؟ أوَلَم ينتصر طالوت بفئته القليلة من المؤمنين على الكافرين في عصره؟ أولم يقل الله كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: ٢٤٩]؟.
[٢٤] إن الانتصار القياسي الذي بلغه المسلمون في صلح الحديبية لم يكن بدهاء منهم، أو بأن قريشا رحمتهم فكفت أذاها عنهم، وإنما الله هو الذي صيَّر الأمور إلى هذه النتيجة، وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ، بلى، لقد بلغ المسلمون هذه المكاسب السياسية والمعنوية من دون أدنى خسارة عسكرية، والحال أن الوصول إلى ذلك محال بالطرق الطبيعية، ولو تحقق لاقتضى الأمر تضحيات عظيمة.
وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ فمن ناحية مَنَّ الله على المؤمنين بالخلاص من أيدي المشركين قبل صلح الحديبية، ومن ناحية أخرى مَنَّ على المشركين حين عفا عنهم الرسول صلى الله عليه واله بعد الفتح.
بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً ومع ورود هذه الآية في سياق الحديث عن صلح الحديبية إلا أنها تشير كما يبدو إلى فتح المسلمين عسكريا لمكة المكرمة.
[٢٥] ولكن لماذا كف الله أيدي المؤمنين عن المشركين، ولم يأمرهم بقتالهم؟ هل لأنهم طيبون؟ أو لأن لهم فضلا وسابقة حسنة معهم؟ بالطبع كلا .. وتشهد على ذلك عقائدهم المنحرفة وأعمالهم السيئة تجاه أتباع الرسالة.
هُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ لقد منعوا المؤمنين من حج بيت الله بالرغم من تهيئهم التام لذلك، وكان ذلك من أبشع الجرائم في عرف العرب يومئذ، لقد فضح ذلك قريشا التي كانت تفتخر على سائر العرب بأنها حامية البيت الحرام، وحافظة حرمة الوافدين إليه.
ماذا بقيت لقريش من شرعية السيادة على العرب بعد أن منعت الحجاج وصدتهم عن إقامة الشعائر التي كانت العرب تقدسها؟