من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٤ - لقد صدق الله رسوله الرؤيا
اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ [١] فَآزَرَهُ [٢] فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ [٣] يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٢٩).
هدى من الآيات
لأنه قد جرى في البدء جدل بين المسلمين حول صلح الحديبية، نجد السياق القرآني هنا يؤكد على المكاسب الكبيرة التي جناها المسلمون من وراء هذا الصلح المبارك، ليؤكد على سلامة النهج الرسالي، وضرورة الطاعة أبدا للقيادة الربانية، كما تذكر الآيات بهذه المناسبة بطائفة من الحقائق التي غابت عن الأذهان، والتي تتصل بهذا الأمر اتصالا مباشرا.
الأولى: أن الحرب ليست هدفا بذاتها، وإنما هي وسيلة إلى هدف لو حققناه من دونها يكون الأمر أفضل، بل لا يصح آنئذ إثارتها أبدا.
الثانية: أن وصول المسلمين إلى أهدافهم من دون الحرب ليس إلا دليلا على تأييد الله لهم، لأنه يصعب الوصول إلى مثل هذه الأهداف من دون التضحيات الباهظة.
الثالثة: لو أن المشركين أشعلوا فتيل الحرب مع المسلمين ببطن مكة لانتصر المسلمون عليهم بإذن الله، وهذه سنة إلهية سابقة ودائمة لا يمكن أن تتبدَّل، ولكن عدم حدوث الحرب ليس في صالح المشركين وحسب، باعتبارهم كانوا يهزمون لو بدؤوها، وإنما هي في صالح المسلمين أيضا.
الرابعة: لو أن الحرب وقعت بين المشركين والمسلمين يومذاك ربما لم يكونوا يستطيعون النفاذ إلى قلوب المشركين وبذلك القدر من الأثر العميق، بل ربما ازداد المشركون تعنتا ورفضا، وبالذات كانت لدى قريش ومن لف لفها مشكلة نفسية، تتمثل في الحمية الجاهلية التي أوغرت قلوبهم ضد المسلمين، فلو كان المسلمون يدخلون في نفق العصبية، فبدل أن يقيموا الأحداث والواقع تقييما موضوعيا يأخذ بعين الاعتبار المصلحة الرسالية، يتَّبعون ردّود الفعل والعواطف
[١] شطأه: فراخه.
[٢] فآزره: فقوّاه وشدَّه وأعانه.
[٣] سوقه: جمع ساق وهو القصب والأصل.