من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٦ - إنا فتحنا لك فتحا مبينا
والمسلمين أن عثمان قد قتل، فقال صلى الله عليه واله
لَا نَبْرَحُ حَتَّى نُنَاجِزَ القَوْمَ
، فدعا الناس إلى البيعة فقام رسول الله صلى الله عليه واله إلى الشجرة فاستند إليها وبايع الناس على أن يقاتلوا المشركين ولا يفروا، قال عبد الله بن مغفل: كنت قائما على رأس رسول الله صلى الله عليه واله ذلك اليوم وبيدي غصن من السمرة [١] أذب عنه وهو يبايع الناس فلم يبايعهم على الموت وإنما بايعهم على أن لا يفروا.
فبينما هم كذلك إذ جاءهم بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه واله من أهل تهامة فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي ومعهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت فقال رسول الله صلى الله عليه واله
إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ وَإِنَّ قُرَيْشاً قَدْ نَهَكَتْهُمُ الحَرْبُ وَأَضَرَّتْ بِهِمْ فَإِنْ شَاؤُوا مَادَدْتُهُمْ مُدَّةً وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ، وَإِنْ شَاؤُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيْمَا دَخَلَ فِيْهِ النَّاسُ فَعَلُوا وَإِلَّا فَقَدْ جموا، وَإِنْ أَبَوا فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي أَوْ لَيُنَفِّذَنَّ اللهُ تَعَالَى أَمْرَه ..
وهذا من الحكمة السياسية ولا ريب أن بيعة الرسول صلى الله عليه واله مع أصحابه تحت الشجرة قد أرهبت قريشا، لأنها كانت مظهرا للقوة، ومناورة يرهبها الأعداء، والتظاهر بالقوة أمر مهم، بالذات لمن يريد الصلح، لأن ذلك يجعله في موقع القوي المهاب على طاولة المفاوضات- .. فقال بديل: سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشا فقال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل وإنه يقول كذا وكذا، فقام عروة بن مسعود الثقفي فقال إنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته، فقالوا ائته فأتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه واله وقال له رسول الله صلى الله عليه واله نحوا من قوله لبديل فقال عروة عند ذلك: أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوها وأرى أوباشا من الناس خلقا أن يفروا ويدعوك.
ثم إن عروة جعل يرمق صحابة النبي صلى الله عليه واله إذا أمرهم رسول الله صلى الله عليه واله ابتدروا أمره وإذا توضأ ثاروا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده وما يحدُّون إليه النظر تعظيما له قال فرجع عروة إلى أصحابه وقال: أي قوم والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي والله إن رأيت ملكا قط يعظِّمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا إذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده وما يحدُّون إليه النظر تعظيما له وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها فقال رجل من بني كنانة دعوني آته، فقال: ائته فلما أشرف عليهم قال رسول الله صلى الله عليه واله
هَذَا فُلَانٌ وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ البُدْنَ فَابْعَثُوهَا
، فبعثت له واستقبله القوم يلبون فلما رأى ذلك قال: سبحان الله
[١] شجرة شائكة تنبت في الأماكن الحارة.