من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦ - أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم
هدى من الآيات
لكي تنفذ بصيرة الإنسان إلى واقع الخلق وتصلح بذلك علاقته به فلا يرفعه إلى مقام الخالق، ولكي تخلص عبادة الإنسان لخالقه من شوائب الشرك، ويعلم أن النعم من عنده فلا يكفر به بإشراك عباده فيها، ومن ثَمَّ تكون علاقته بالنعم سليمة منبعثة من نور التوحيد، تسوق آيات الدرس حقائق التوحيد خالصة من زيغ المعتقدات الجاهلية، التي منها نظرية الحلول التي يزعم أهلها أن لله في عباده جزءاً يتنزَّل الله به عن مقام ربوبيته درجة، ويرتفع العبد به إلى مقام الربوبية بقدرها. إنه الكفر المبين بالنعم وبمن أنعم سبحانه، وهكذا الإنسان من طبعه الهبوط إلى هذا الدَّرْك من الكفر.
ويستنكر القرآن زعمهم بأن الله اختار البنات بينما اصطفى لهم البنين في الوقت الذي تراهم يستاؤون من الإناث حتى إذا بشر أحدهم بها ظل وجهه مسودا وهو كظيم.
ويتساءل السياق: كيف يختار البنات وهن ناشئات الحلي والزينة، ولا يصلحن للجدال والمخاصمة؟!
وهكذا جعلوا الملائكة إناثا بينما هم عباد الرحمن والعباد أمام معبودهم شرع سواء. وهكذا ينسف القرآن أساس التفاضل الذاتي بين الخلق وهو في الوقت نفسه الانحراف الكبير الذي يزيغ إليه ذوو الثروة والجاه. وينكر عليهم أن يقولوا ما ليس لهم به من علم وينذرهم بأن كلامهم يُعَدُّ شهادة، وأنه مسجل عليهم، وأنهم يسألون عنه.
وجعل الملائكة أو غيرهم أنصاف آلهة يساهم في الإيمان بالقدر (الجبر)؛ أي بأنهم لا يملكون من أنفسهم شيئا، وأنه لو شاء الله لما عبدوا الملائكة.
ولكن انسياقهم وراء النظرية القَدَرِيَّة تم بدافع شهواتهم ونزوع الإنسان إلى التملص من المسؤولية. ومالهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون.
وتراهم يعظمون آباءهم إلى درجة اتباعهم بغير هدى، بينما لا يجوز تقديس الآباء إلا بقدر ما كان عندهم من كتاب أو هدى، أما إنهم يقولون إنا مهتدون لأننا نتبع آباءنا فيما وجدناهم ماضين عليه من شرعة ومنهاج!
وهذه عبادة جرت في كل الأمم، فما أرسل الله في قرية من نذير يحذرهم من الاسترسال مع المنكرات إلا قال المترفون الذين عبدوا الثروة وخشوا من الإصلاح- إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإننا ماضون عليها .. وحين دعاهم النذير بما هو أهدى من آثار آبائهم كفروا برسالته