من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩١ - فاصبر كما صبر أولو العزم
وهكذا تكون الحالة الشركية والفساد العريض الذي يؤدي إليه نتيجة ثقافة الضلالة، وفساد الأخلاق والأنظمة والعادات، ويزعم البسطاء أن الكيان السياسي الفاسد والنظام الاقتصادي والاجتماعي المنحرفين قادرين على المحافظة على مصالحهم، ولكنهم يصطدمون فجأة بالواقع المرير الذي يفرزه هذا الإفك الكبير حين لا ينفعهم الندم.
وقد نستلهم من الآية أن الأصنام التي كانت تعبد من دون الله، وكذلك الطغاة والمترفين الذين كانوا يسيطرون على مقدرات الناس، إنما هم جميعا صورة مجسدة لمجمل ضلالة المجتمع وانحرافه.
[٢٩] ومن الناس من يتخذ الجن آلهة من دون الله، ويأفك القداسة لهم، فلا ينتفع بِعِبَرِ الغابرين اتكالا عليهم، وقد يستعيذ بهم من دون الله، ويزعم أنهم يمنعونه عن سيئات عمله، ويغنون عنه من الله شيئا.
كلا .. الجن كالإنس خلق برأهم الله، وهم بحاجة إلى الرسالة، وإن الرسل الذين يبعثون إلينا هم النذر المرسلون إليهم أيضا .. وإذ يحدثنا السياق هنا عن قصة استماع الجن للقرآن وإيمان نفر منهم ثم انصرافهم إلى قومهم منذرين فإنه يصحح بذلك تلك الصورة المشوهة عنهم في أذهان كثير من الناس حيث يزعمون بأن الجن مصدر كل شر وخبث، كلا .. بل منهم المؤمنون الذين يحملون رسالات الله إلى قومهم.
ويبدو من خطاب القرآن إليهم في آيات عديدة أنهم مكلفون به، وأنهم متعايشون معه، ولكننا- نحن البشر- حتى الآن محجوبون عنهم، كما أنهم مجزيون على إيمانهم وأعمالهم كما الإنس سواء بسواء، فلا يجوز أن يستعيذ بهم الإنس لأنهم يزيدونهم رهقا.
وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنْ الْجِنِ الصرف يعني نقل الشيء وتبديله من حالة إلى اخرى، أي ألهمنا نفرا من الجن الحضور عندك، أو حملناهم على المرور بك من دون تقدير منهم.
يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ قالوا: في أثناء عودة الرسول صلى الله عليه واله من سوق عكاظ نزل بمكان يقال له: مجنة، نسبة إلى الجن، فبات فيه، وكان من عادته صلى الله عليه واله أنه يبيت لربه ساجدا قائما، يتلو أجزاء القرآن يرتلها ترتيلا، وبينما كان يتلو القرآن مرَّ به نفر من الجن قالوا كانوا من أهل نصيبين، فإذا بهم يسمعون ذكرا عجبا.
فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا دعونا نستمع لهذا الذكر! فَلَمَّا قُضِيَ حين انتهى الرسول من قراءته وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ يبدو أنهم كانوا ذاهبين إلى مهمة ما، ولكنهم