من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٠ - فاصبر كما صبر أولو العزم
إذا ما أهلكوا وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لنا كما لأولئك الغابرين، فلم تدمر حياتهم بلا سابق إنذار، وكانت النذر تترى عليهم بهدف صرف العذاب عنهم إذا اتبعوا النذر وعادوا إلى الرشد.
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ونستوحي من كلمة يَرْجِعُونَ أنهم كانوا مستبصرين في أول حياتهم، ماضين على الفطرة الأولى، فلما انحرفوا أنذروا بالعذاب لعلهم يرجعون إلى فطرتهم الأولى.
[٢٨] فلماذا تولوا عن النذر، ولم يستجيبوا لداعي الله، ولماذا لم يعتبروا بمصير من سبقهم؟
لأنهم اتخذوا من دون الله قربانا آلهة فزعموا أنهم ينصرونهم من عذاب الله، ولكن هيهات.
وهكذا يزعم الإنسان أن بمقدوره التمسك بذيل من يزعم أنهم مقربون إلى الله، من آبائه أو عظماء قومه لينجونه من مصيره، وهكذا يخدع نفسه ويظل في غروره حتى يأتيه العذاب فيكتشف متأخرا أنه كان في ضلال بعيد، وأنهم لا يستطيعون نصره أبدا.
فَلَوْلا نَصَرَهُمْ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةً وكما أنهم لم يقدروا على نصرهم في الدنيا من الدمار فإنهم لا ينصرونهم في الآخرة من عذاب النار.
بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ لقد ضلت الآلهة عنهم فلم يجدوا لها أثرا عند نزول العذاب، شأنهم شأن كل دجل وخداع ترى له صورا، وتسمع جلبة، وتستقبل وعودا في الرخاء، أما عند الشدة فهي تتلاشى كما يتلاشى السراب عندما تقترب منه.
ولكن من المسؤول: الآلهة التي كثيراص ما وعدت أنصارها بالنصر ثم ضلت عنهم عندما دقت ساعة الانتقام، أم أولئك الذين خدعوا بهم؟ لاريب أن الذين قبلوا الانسياق مع ضلالات الآلهة هم المسؤولون، لأن الآلهة من دون الأنصار لا تعني شيئا. أرأيت لو لم يعبد أحد صنما هل يختلف الصنم عن أية حجارة أخرى؟ أو رأيت إن لم يتبَّع الناس الطغاة هل هم يتميزون شيئا عن غيرهم؟
إذن المسؤول أولا الإنسان الذي يصنع الإفك، ويفتري على الله وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ قالوا: الإفك الكذب، وكذلك الأفيكة، والجمع الأفائك، وإفك الجماعة كان يتمثل في تقديس الآلهة والاعتقاد بقوتهم وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ولعل المراد من ذلك الأنظمة الفاسدة التي كانت تترتب على هذا الإفك، والتي كانوا يفترونها على الله كذبا.