من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٨ - فاصبر كما صبر أولو العزم
هدى من الآيات
يستمر السياق في الحديث عن سنة الله في الخليقة التي تتجسد في بعث الأنبياء عليهم السلام، كلما انحرف الناس عن المسيرة، وإنذارهم بمصيرهم المرتقب، ويشير إلى القرى التي أنذر أهلها بالأنبياء، وأنزل لهم الكتب لعلهم يهتدون، ولكنهم بَدَلَ أن يعبدوا الله ويعتمدوا عليه إذا بهم يعبدون الأنداد من دونه، فلم يغنوا عنهم- ساعة الانتقام- شيئا.
ويقصُّ علينا ربنا في هذا السياق كيف صرف إلى الرسول نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما آمنوا به ولوَّا إلى قومهم منذرين، ولعل سبب ذكر هذه القصة في هذا السياق أن الكفار كانوا يزعمون بأن الجن أنصاف آلهة، وأنهم يدفعون عنهم الضراء. أوَلَم يقل ربنا سبحانه وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِ [الجن: ٦]، فجاءت هذه القصة لبيان حاجة الجن أيضا إلى الرسالة.
بينات من الآيات
[٢٦] عندما يفرُّ الجاحد- لآيات الله- من مسؤولية الاعتراف بالحق، والتسليم له، يلجأ- في زعمه- إلى ركن الغرور بالقوة والعلم، ويعتقد أن ما يملكه من أموال، ومن كيد، ومن مكر تغنيه شيئا عندما يحدق به خطر الدمار، بسبب كفره بالله ورسالته.
كلا .. إن مصير الغابرين من عاد، وثمود، وفرعون وهامان وجنودهما، وغيرهم يكفينا عبرة بأن قدراتنا المادية والعلمية إن هي إلا غرور.
وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ و) ما (في قوله فِيمَا بمنزلة) الذي (و إِنْ نافية بمنزلة (ما)، والتقدير: ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه أي ما لم نمكنكم فيه، والمعنى: أنهم كانوا أقوى منكم، وأكثر منكم أموالا وكذا في قوله تعالى كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ [غافر: ٨٢]. وإذا كانت قوتهم الشديدة لم تمنعهم من عذاب الله فلا ينبغي أن يظنوا أنهم بمأمن من العذاب.
وهكذا كانت الإمكانيات التي سُخِّرت لهم أكثر مما سُخِّرت لقريش، وربما لكل قوم يتلون الكتاب من بعدهم وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً وبما أنهم كانوا مزودين بهذه الأجهزة زعموا بأنها تنقذهم من عذاب الله. ذلك أن الإنسان يهلك إذا كان ضعيفا، أو جاهلا، أو غافلا، ولم يكن أولئك القوم كذلك، ومع ذلك أهلكوا عندما أراد الله.