من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨١ - ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا
رب الرحمة عبده العاصي فيها دون أن يتم عليه الحجة كاملة وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ هنالك حيث تستعد النار لاستقبال أفواج الكفار والعصاة بألسنة اللهب المتصاعدة والشهقات الواسعة التي تبتلع الملايين، هنالك إذ تتوضح الحقائق، فلا غفلة، ولا استرسال ولا تبرير، ولا إهمال، هنالك تقال لهم كلمة الحق التي لو عرفوها في الدنيا إذا ما أهملوا، ولا تشبثوا بالأعذار التي لا تغني شيئا.
أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فهذا هو السبب المباشر للمأساة. الوقت والطاقة والفراغ وسائر النعم هي ذخيرة الإنسان ليوم الحساب، فمن بذرها للمتعة العاجلة في الدنيا فماذا يبقى له ليوم فاقته؟
إنما السعيد من قدم شيئا مما عنده لحياته الخالدة، وقسم وقته وطاقاته بين السعي للدنيا والعمل للآخرة، ولم يكن همه التمتع بكل ما يملك في دنياه فيكون مثله كذلك الشاب الذي أبلى شبابه في اللذَّات فإذا تقدم به العمر إلى خريف الحياة لم يجد إلا الحرمان والألم والحسرات.
ولكن ما الذي يدعو الإنسان إلى التبذير بالطيبات في الدنيا، هل الحاجة الضرورية؟ كلا .. ذلك أن حاجات الإنسان محدودة، ويمكن له توفيرها ببعض قدراته. إنه يوفِّر لقمة عيشه وسكناه وأمتعته بأيسر الجهد، إنما لهث البشر يكون عادة وراء الكماليات. إنه يختار ألذ الطعام، وأرفه المساكن، وأرقى المتاع، حتى ولو كان على حساب آخرته، فيظلم الناس بالسرقة والغش، وقد يصبح أداة للطغاة من أجل الحصول على الكماليات، ولأن الكماليات بدورها درجات ولا يمكنه أن يبلغ مداها فإنك تراه دائب اللهث وراءها، فإذا بنى قصرا ووجد قصر صاحبه أفخم عقد العزم على بناء ما هو أعظم من بناء صاحبه، وإذا اقتنى سيارة وعلم أن أخرى خير منها دخل السوق سعيا نحو شرائها بكل وسيلة ممكنة، وهكذا ..
وهنا نتساءل: ما هو جذر التنافس على الكماليات بهذه الشدة، مع أن بعضها لا يمس شهوات الإنسان من قريب؟!
الجواب: إنه الاستكبار، حيث يبحث الإنسان أبدا عن التعالي على أقرانه بحق أو بباطل، وإذا نزع الإنسان رداء الكبرياء، وتسربل بالخشوع والقنوع، فإنه يقتلع جذر الانحراف من نفسه، هناك يكتفي بالضرورات وما يتيسر له من زينة الدنيا، فيقسِّم طاقاته بعدالة بين حياته هنا وحياته الأبدية هناك. أما إذا استكبر فإنه يشتري هوان العذاب في الآخرة، ويقال لمثله فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ والفسق هو الخروج عن الحدود، مما يدل على أن المستكبر بغير حق يتجاوز حدود الشرع مما يوجب له أليم العذاب.