من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٠ - ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا
ونحن اليوم بانتظار ذلك الجيل المؤمن الذي يعيش بثلاثة أبعاد: متفاعلا مع حاضره، مستفيدا من ماضيه، متطلعا لمستقبله.
[١٨] الدين والكفر قديمان عند البشر، فكما كان منذ القدم رجال صالحون ملتزمون بالدين كان آخرون يكفرون به، فإذا كان كل قديم رجعية فإن الكفر هو الآخر قديم! وهذه الأفكار التي يروجها الجاهليون باسم التقدمية موغلة في الرجعية، إذ إنها تدعو إلى حالة البدائية حيث لم يكن لدى أهلها التزام بالقيم والعادات الصالحة، وهذا الذي يكفر بالبعث ويدَّعي أنه من أساطير الأولين سوف يحشر مع أولئك الكفار من الأولين، حتى يتبيَّن له أن الكفر- وليس الدين- هو من أساطير الأولين.
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ وكيف حق القول عليهم؟.
لقد كفروا فطبع الله على قلوبهم، وسلبهم توفيق الإيمان، فظلوا كافرين حتى أدخلهم الله النار في الأمم الغابرة إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ وعلينا أن نعتبر بمصيرهم فلا نبادر إلى الكفر فيغلق الله علينا باب التوبة إلى الأبد، ولا يقولنَّ الواحد: أكفر الآن فإذا أردت الإيمان فالطريق مفتوح أمامي. كلا .. إن فرصة الإيمان محدودة، وقد تسلب منك حتى الأبد.
وفي هذا درس للداعية ألا يهلك نفسه أسفا على بعض الناس إن لم يؤمنوا، فلعلهم ممن طبع الله على قلبه فلا يستطيع الإيمان أبدا.
[١٩] ولكي لا يزعم الإنسان أن تقسيم الناس على الجنة والنار اعتباطي، يزيدنا السياق هدى بأن أعمال الناس هي التي تسوق أصحابها إلى المصير النهائي إما الجنة أو النار، وتأكيدا على ذلك أن للجنة درجات كما للنار دركات، ومنازل أهل الجنة أو أهل النار تحدد بأعمالهم أيضا، حتى لا يدع للشك مجالا في أنهم لا يظلمون، بل هم يجزون بما كانوا يعملون.
وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا يبدو أن المراد من وَلِكُلٍ أهل الجنة وأصحاب النار لكل درجته ومنزلته حسب عمله وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ أي ليجزيهم أعمالهم جزاء تاما وافيا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا هنا، يره هناك بدرجاته المتعالية في الجنة، ومن يعمل مثقال ذرة شرا هنا، يره هناك بعذاب دركات النار.
[٢٠] ولا يدع كتاب ربنا الحكيم الإنسان في غمة من أمره بل يكشف له أسباب الكفر فيبيِّن له علاجها، لكي لا تكون للناس حجة بعد البيان، ذلك أن النار شيء عظيم، فكيف يلقي